الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عاشوراء والواقع.. جدلية السرديات والتسويات

بواسطة azzaman

عاشوراء والواقع.. جدلية السرديات والتسويات

محمد صالح البدراني

 

تحليلات واسعة ومقارنات مستمرة لمحاولة فهم المشهد السياسي المعقد في المنطقة؛ حيث يلاحظ المتابع التردد بالتوفيق بين خطاب التعبئة الروحي والتاريخي، وبين طبيعة الاتفاقات والتفاهمات الحالية، وقد يسمع المهتم بالنقاش الفكري تساؤلات تطرحها بعض الأوساط الثقافية حول الكيفية التي تلتقي بها ثقافة بنيت في أصلها التاريخي على فكرة الرفض المطلق—والتي تتجلى سنوياً في استعادة ذكرى عاشوراء—مع منطق الاتفاقات الراهنة القائمة على تفاهمات متبادلة ومساومات تمليها الظروف الجيوسياسية.

هدف المقال هو تقديم قراءة فكرية موضوعية ومتوازنة لا تصدر أحكاما وإنما تستخلص طروحات، لتفكيك هذا التقاطع بين منطلق السردية المبدئية ومنطلق الدولة والسياسة، مع استكشاف اختلاف القراءات وفق التباين الفكري وتأثير ذلك على وعي الحكام والجماهير.

أولاً: واقعة الطف وجدلية منبع الشرعية السياسية

عند تفكيك حدث عاشوراء من زاوية الفكر السياسي، نجد أنفسنا أمام قراءتين فقهيتين تختلفان في تحديد منبع الشرعية ومصدرها؛ وبالتالي، فهم أبعاد الموقف وتفسيره:

المنظور الأول (أولوية خيار الأمة): تنطلق هذه القراءة من أن حركة الحسين كانت دفاعاً مبدئياً عن حق الأمة في تقرير مصيرها واختيار حكامها بحرية؛ حيث يُنظر إلى واقعة الطف على أنها حركة قادها «شخص يمثل أمة» لمنع فرض التوريث السياسي والإقصاء؛ بناءً على هذا، فإن التضحية كانت لحماية حق أصيل عابر للأزمنة، وهو أن شرعية الحكم تنبع من رضا الشعوب، وأن التنازل يكمن في القبول بـ (شرعيات شكلية) لا تعبر عن الإرادة وتسلب الأهلية.

المنظور الثاني (بنية الإمامة والعهد الإلهي): على النقيض من ذلك، تتأسس القراءة الأخرى على بنية عقائدية ترى في «الإمامة» منصباً إلهياً امتداداً للنبوة، حيث الحسين هو الإمام المعصوم المعين بنص غيبي؛ من هذا المنطلق، لا تستمد الشرعية من بيعة الناس أو خياراتهم، بل من الحق الإلهي الحصري، وتصبح الواقعة هنا معركة لحفظ أصل الدين وخط الهداية في وجه سلطة اغتصبت هذا الحق، وتتحول التضحية إلى استجابة لتكليف رباني مرسوم مسبقاً، وليس مجرد برنامج إصلاحي محكوم بالنتائج المادية.

ثانياً: منطق الدولة والاتفاقات المعاصرة

عند النظر إلى الاتفاقات والتسويات الراهنة في السياسة الدولية (بين عواصم المنطقة والقوى الكبرى كواشنطن وطهران)، نجد أنفسنا أمام منطق مختلف تماماً تحكمه إكراهات الجغرافيا السياسية وحسابات النفوذ؛ فالدول ككيانات مؤسسية تخضع لمبدأ «حفظ الكيان والاستقرار»، وهو ما يتطلب مرونة ديبلوماسية عالية وتوقيع تفاهمات قد تبدو في الظاهر بعيدة عن الطروحات المثالية.

وهنا يظهر تحول واضح في المفاهيم؛ فبينما يركز التاريخ في إحدى قراءاته على تضحية الشخص لحفظ خيارات الأمة وثوابتها، فإن العمل السياسي المعاصر يقوم على فكرة تقديم الدول لتنازلات متبادلة وتبريد للجبهات من أجل تجنب الصراعات الشاملة وحماية المكتسبات القائمة، هذا السلوك البراغماتي تفرضه طبيعة النظام الدولي المتشابك، حيث لا يمكن إدارة العلاقات بين الدول بمنطق الثنائيات الحادة، بل بلغة المصالح المشتركة والتعايش السلمي.

ثالثاً: استحقاقات تغيير القراءة الفكرية

يقول البعض إن إعادة تأويل الأحداث التاريخية وتغيير قراءتها لتتوافق مع متطلبات اللحظة السياسية الراهنة هو أمر مألوف في تاريخ الفكر السياسي؛ فالنخب الفكرية والسياسية غالباً ما تستدعي من التاريخ النماذج التي تبرر قراراتها الحالية، مثل الانتقال من نموذج المواجهة إلى نموذج الصلح المؤقت.

ومع ذلك، فإن هذا التحول في القراءة يواجه استحقاقات فكرية واجتماعية لا يمكن إغفالها؛ فالتاريخ يترك أثراً عميقاً في الوجدان الجمعي، وعندما يتم تبني قراءة جديدة للحدث التاريخي، فإن ذلك يتطلب مراجعة هادئة لكل ما ترتب على القراءات السابقة، التحدي الفكري هنا يكمن في كيفية نقل المجتمع من فضاء التعبئة الوجدانية المبنية على ثوابت الرفض، إلى فضاء العقلانية السياسية المبنية على قبول المساومة، دون إحداث ارتباك في الوعي العام أو شعور بالتناقض بين المبادئ والواقع الفعلي.

رابعاً: التفاعل بين نفسية الحكام ونفسية الجماهير بحسب منطلق الشرعية

هنالك رأيان لا يتقاطعان إن أخذا من ناحية المصلحة وليس القدسية للفكرة:

في إطار مفهوم الإمامة والولاية: تجد القيادة السياسية التي تنطلق من هذا المفهوم مساحة أوسع لشرعنة الاتفاقات الحالية؛ فبما أن الشرعية فوق-دستورية ومستمدة من النيابة عن الإمام المعصوم، فإن قرار السلم أو الحرب وعقد التسويات يُعتبر صلاحية سيادية مطلقة للقائد بناءً على «المصلحة العليا»؛ هنا، يُطلب من الجماهير السمع والتسليم بالمرونة التكتيكية (محاكاة لصلح الحسن)، مما يسهل احتواء صدمة الواقع سياسياً، أما إن كانت الفكرة هي المرجع فالأمر سيحدث صدمة ليس سياسية فقط، وإنما يتطلب إعادة لتفسير للسردية.

في إطار مفهوم خيار الأمة: فان حكومة منتخبة تستطيع أن تبرم الاتفاق أوليا وان تعرضه على البرلمان ما لم يك هنالك تخويل متسلسل بجلسات استماع إن كان الظرف ملائما.

خامساً: «فن الممكن» في السياسة مقابل «المطلق الأخلاقي» في التاريخ

يضعنا هذا المشهد في النهاية أمام الصراع الفلسفي الأزلي بين «المطلق الأخلاقي، وفن الممكن»، في حقل التاريخ والذكرى، تبرز عاشوراء كنموذج للمطلق؛ فالمبادئ هناك واضحة، لا تخضع للتفاوض، والموقف يُقاس بمدى ثباته على قيم العدالة والحق بغض النظر عن النتائج المادية المباشرة.

في المقابل، يتحرك العمل السياسي والدولي اليــومي في فضاء (النسبي والممكن)؛ فالسياسة دنيوية بطبعها، تبحث عن الحلول الوسط المتاحة، وتتعامل مع الأمر الواقع لا مع المعتقدات، في عالم اليوم المتشابك، يصبح التمسك بالمطلق الأخـــــلاقي في إدارة شؤون الدول خيــاراً عالي الكلفة قد يفضي إلى العزلة الشاملة أو الاستنزاف المادي، لذلك، تمارس الدول فن الممكن عبر إيجاد مساحات رمادية وتفاهمات مشتركة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار والأمن الإقليمي لجميع الأطراف، بعيداً عن صخب الشعارات الحماسية.

خاتمة

يظهر التحليل الفكري أن الربط المتداول بين سردية عاشوراء والاتفاقات السياسية الحالية يعكس جدلية أزلية بين (يوتوبيا المبادئ) و (واقعية الممارسة) فبينما تظل واقعة الطف تمثل في جوهرها الفكري صرخة لحفظ الحقوق والثوابت سواء فُسرت كدفاع عن خيار الأمة أو كتكليف إلهي معصوم، تمثل الاتفاقات الراهنة منطق الضرورة الذي تفرضه شروط الحاضر على جميع الأطراف الدولية والإقليمية، إن فهم هذا التفاعل وتفكيكه بأسلوب راقٍ وهادئ هو الخطوة الأولى نحو بناء وعي سياسي ناضج يستوعب قيمة الرمز التاريخي دون أن ينفصل عن إكراهات الواقع المعاصر.

 

 


مشاهدات 49
الكاتب محمد صالح البدراني
أضيف 2026/06/27 - 1:04 AM
آخر تحديث 2026/06/27 - 4:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 235 الشهر 25687 الكلي 15901168
الوقت الآن
السبت 2026/6/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير