الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين التتويج وعاشوراء.. إمتناع الملك فيصل الأول عن تلقي التهاني حفاظاً على التماسك الإجتماعي

بواسطة azzaman

بين التتويج وعاشوراء.. إمتناع الملك فيصل الأول عن تلقي التهاني حفاظاً على التماسك الإجتماعي

 

عادل الياسري

 

كتبت جريدة العراق، قبل وصول زعماء ثورة (1920) إلى مدينة البصرة القادمين من الحجاز – السعودية اليوم – أن البرقيات الواردة تشير إلى أن من بين القادمين مع سمو الأمير فيصل عددًا من رجال العراق، منهم: يوسف أفندي السويدي، والسيد محمد صدر الدين، والسيد نور  الياسري، وغيرهم من الذوات.

ثم عرضت الجريدة منهاج السفر للمدن التي يمر بها الموكب، وكانت آخرها بغداد، حيث زار الأمير ضريح الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، ثم ضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني (رحمه الله). ويُذكر أن أنصاره أشاروا إلى أنه كان حافظًا للزيارة عند دخوله إلى الضريح.

مراسم عزاء

ولا يخفى أن فيصل كان شافعي المذهب، هاشمي النسب. ومع ذلك، فإن سلوكه السياسي والاجتماعي كشف عن وعي يتجاوز التصنيف المذهبي؛ إذ كانت الملكة خزيمة، حرم الملك، بعد إقامتها في بغداد، تقيم مراسم العزاء في العاشر من محرم الحرام، وتوجّه الدعوة إلى العوائل الاجتماعية المرموقة.

وبعد عام من تتويجه ملكًا على العراق، صادف يوم التتويج التاسع من محرم الحرام. عندها أمر الملك الوزراء وكبار الموظفين وغيرهم بإلغاء الاحتفالات بعيد التتويج، والامتناع عن استقبال التهاني.

دوافع حقيقية

وهنا يبرز التساؤل: ما الدوافع الحقيقية لهذا الامتناع؟

يبدو أن القرار لم يكن بروتوكوليًا، بل سياسيًا بامتياز؛ إذ ارتبط بالحفاظ على التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، وصون الدولة الفتية، ومراعاة النسيج الاجتماعي في لحظة حساسة من تاريخ العراق.

وتزداد دلالة هذا الموقف حين نقارنه بما جرى لاحقًا؛ فبعد عام من مجزرة قصر الرحاب (14 تموز 1958)، أي بعد قيام الحكم الجمهوري، صادف يوم التاسع من محرم، لكن البلاد شهدت صدامًا دمويًا بين أبناء المجتمع، وغُسلت الأرصفة بالدماء.

وقد عثرتُ على وثيقة سرية للغاية تشير إلى أن الملك فيصل طلب من وزرائه العناية  اهتمام خاص بالمسلمين الشيعة، وهو ما يعزز فهم هذا القرار في سياقه الأوسع.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الملك كان يتحدث بضمير (نحن)، وهي لغة لا تُفهم على نحو فردي؛ إذ تعبّر عن الدولة بوصفها كيانًا جامعًا: أمةً، ومجتمعًا، وسلطة، وجيشًا. ومن ثم، فإن قراراته لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا الإطار. في المقابل، يُلاحظ اليوم أن بعض الأفراد يمتنعون عن تبادل التهاني في الأعياد، وهو سلوك يبتعد عن جوهر العيد بوصفه مناسبة جامعة لا موقفًا فرديًا.

جوهر المناسبة

وليس المقصود من هذا القول توجيه اللوم، بل التذكير بجوهر المناسبة التي تجمع ولا تفرق

وقد عبّر الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة السجادية عن هذا المعنى بقوله:

اللهم هذا يوم مبارك، والمسلمون فيه مجتمعون في أقطار أرضك”.

وهو وصف دقيق لطبيعة العيد بوصفه جامعًا لا مفرّقًا.

ولا ينبغي أن تتحول الأيام البهيجة التي وهبها الله للناس إلى مشاهد يغلب عليها الحزن أو الانقسام؛ فالأنبياء قدّموا العيد بوصفه رحمة نازلة من السماء، كما في دعاء النبي عيسى (عليه السلام):

(اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المائدة: 114)


مشاهدات 61
الكاتب عادل الياسري
أضيف 2026/03/31 - 11:28 PM
آخر تحديث 2026/04/01 - 1:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 79 الشهر 79 الكلي 15218152
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير