تساؤلات عن إعلان الحرب
إياس الساموك
منحت المادة (61/ تاسعاً) لمجلس النواب اختصاص الموافقة على إعلان الحرب، إذ نصت على الآتي: «تاسعاً: أ. الموافقة على اعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين، بناءً على طلبٍ مشترك من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء. ب. تعلن حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتمديد، وبموافقةٍ عليها في كل مرة. ج. يخول رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من إدارة شؤون البلاد في اثناء مدة اعلان الحرب وحالة الطوارئ، وتنظم هذه الصلاحيات بقانون، بما لا يتعارض مع الدستور. د. يعرض رئيس مجلس الوزراء على مجلس النواب ،الاجراءات المتخذة والنتائج في اثناء مدة اعلان الحرب وحالة الطوارئ خلال خمسة عشر يوماً من انتهائها».
ومن خلال قراءة هذا النص، سأُعرِّج على بعض مفرداته، متناولاً إياها بشيء من الشرح والتوضيح، في محاولة للإحاطة ببعض جوانبه.
ويفهم من خلال النص الدستوري المتقدم، إن إعلان الحرب يكون بداية من خلال طلب مشترك يتقدم به رئيس الجمهورية، بوصفه رئيس الدولة، ورئيس مجلس الوزراء بوصفه المسؤول التنفيذي المباشر عن رسم السياسة العامة للدولة والقائد العام للقوات المسلحة.
طلب مشترك
والملاحظ في النص الدستوري أن الطلب المشترك يُقدم من جهة رئيس مجلس الوزراء وحده، دون الحاجة إلى قرارٍ صادر من مجلس الوزراء.
ولو أراد المشرّع أن يكون القرار صادراً من مجلس الوزراء لنصّ على ذلك صراحةً، كما هو الحال بالنسبة لمقترح تعديل الدستور، عندما نص في المادة (126/ أولاً) منه على الآتي: «لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين .... اقتراح تعديل الدستور».
ولم يشترط الدستور شكليات معينةً تتعلق بالكتابة أو التسبيب، كما هو الحال بالنسبة لطلب مساءلة رئيس الجمهورية، إذ اشترط الدستور في المادة (61/ سادساً/ أ) أن يكون مسبباً.
ولا يستطيع مجلس النواب أن يبادر من تلقاء نفسه إلى إصدار قرار بإعلان الحرب ما لم يرده الطلب المشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.
تقديم طلب
كما لا يستطيع أيٌّ من رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء تقديم الطلب بمعزل عن الآخر، مما يعني أن رفض أيٍّ منهما يفضي إلى بطلان الإجراءات. يتعين أن يكون الطلب مشتركاً من حيث التوقيت أيضاً، بحيث لا يكون طلب أحدهما سابقاً أو لاحقاً لطلب الآخر، بما يفيد صدورهما في وقتٍ واحد وبصيغةٍ واحدة تعبّر عن موافقة الطرفين معاً.
وبعد ورود الطلب إلى مجلس النواب، يُفترض أن يتولى النظر فيه، إذ لم يحدد الدستور موعداً أو حداً زمنياً معيناً لذلك، كما لم يُجز لرئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء تدعيم طلبهما بطلب الاستعجال في نظره. وليس للمجلس سوى الموافقة أو عدم الموافقة، إذ لم يمنحه الدستور صلاحية تعديل الطلب. ومع ذلك، لا نرى مانعاً من تأجيل النظر فيه ما دام لم يُبتّ به، أما إذا رُفض فلا يجوز إعادة النظر فيه إلا بناءً على طلبٍ جديد وفق الإجراءات المبينة آنفاً.
كما لا يوجد ما يمنع رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء من سحب الطلب، أو أن يسحب أي منهما تأييده له، طالما أن مجلس النواب لم يبت فيه بعد.
وقد نصّ الدستور على أن تكون موافقة مجلس النواب على الطلب بأغلبية الثلثين، وهي صيغةٌ غامضة؛ لأنها لم تحسم الجدل حول ما إذا كان المقصود بها أغلبية ثلثي الحاضرين بعد تحقق النصاب بالأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء، أم أغلبية ثلثي مجموع عدد أعضاء مجلس النواب.
لا سيما أن الدستور أورد صيغاً تدل على مجموع عدد أعضاء مجلس النواب، مثل عبارة (ثلثي أعضاء مجلس النواب) كما ورد في المواد (61/ رابعاً) و(65) و(92/ ثانياً) و(126/ ثانياً وثالثاً)، أو صيغة (ثلثي أعضائه) كما في المواد (52) و(136) و(138/ ثانياً/ د)، أو بصيغة (ثلثي عدد أعضائه) كما في المادة (70/ أولاً).
في حين أورد في صيغٍ أخرى عبارة (بأغلبية الثلثين) في المواد (137) و(138/ ثانياً/ أ)، فضلاً عن المادة (61/ تاسعاً/ أ) المتعلقة بالموافقة على إعلان الحرب.
وإن عدم وضوح عبارة (الثلثين) ينعكس على نصاب انعقاد جلسة التصويت على طلب إعلان الحرب.
إذا قيل إن المقصود هو ثلثا الحاضرين، فإن النصاب ينعقد – استناداً إلى القواعد العامة لانعقاد جلسات مجلس النواب – بالأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء، وفقاً للمادة (59/أولاً) من الدستور، أي إن النصاب يتحقق بحضور أكثر من نصف العدد الكلي للأعضاء، ومن ثم يُحتسب ثلثا عدد الحاضرين لضمان تمرير قرار إعلان الحرب.
أما إذا كان المقصود ثلثي عدد الأعضاء، فإن ذلك يحيل إلى التفسير المتعلق بنصاب هذه الجلسات، وبالتالي الأخذ باتجاه المحكمة الاتحادية العليا التي ربطت في قرارها رقم (16/ اتحادية/ 2022) بين نصاب الحضور والأغلبية المطلوبة للتصويت، وعدّتهما حالةً واحدة، وبذلك يكون نصاب هذه الجلسة نصاباً خاصاً لا تنطبق عليه أحكام انعقاد الجلسات العامة.
وعليه، فإن نصاب جلسة التصويت على الطلب المقدم من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بإعلان الحرب يكون أيضاً بثلثي مجموع عدد الأعضاء، وهو ذات الأغلبية المطلوبة للتصويت.
ويقع على مجلس النواب التزامٌ آخر، يتمثل في تخويل رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من إدارة شؤون البلاد أثناء مدة إعلان الحرب، على أن يكون هذا التخويل بقانون وبما لا يتعارض مع الدستور، علماً أن هذه الصلاحيات تُمنح لرئيس مجلس الوزراء شخصياً، لا لمجلس الوزراء.
ولم يبيّن الدستور طبيعة هذه الصلاحيات، لكنه قيّدها بعدم التعارض مع الدستور، وهي صيغة تبدو غير دقيقة؛ إذ إن الحرب ظرفٌ استثنائي قد يتطلب أحياناً تجاوز القيود الدستورية، في حين أن النص قيدها بعدم التعارض مع الدستور، وهو ما ينطوي على قدرٍ من التعارض.
ولعل السؤال الذي يُطرح هنا: هل يمكن إعلان الحرب دون وجود قانون يتعلق بتخويل الصلاحيات لرئيس مجلس الوزراء؟
نعتقد أن الجواب هو النفي؛ فهذه العملية تكاملية، تبدأ بطلبٍ وموافقةٍ، وتنتهي بوجود قانون لتخويل الصلاحيات.
والتساؤل الآخر الذي يُطرح هو: هل إن القانون الذي يخول الصلاحيات يكون شاملاً لجميع الحروب، بحيث يُكتفى بقانونٍ واحد، أم يتعين إصدار قانونٍ مستقل لكل حرب بالتزامن مع كل إعلانٍ لها؟.
من حيث الأصل، نرى أن قانون تخويل الصلاحيات يكون واحداً لجميع الحروب، غير أن ذلك لا يمنع، إذا رأى مجلس النواب ضرورة، من تشريع قانون خاص بتخويل الصلاحيات لحربٍ معينة يتناسب مع ظروفها.
وبما أن الدستور لم يبيّن آلية انتهاء الحرب، فإن انتهاءها – في تقديرنا – يكون بالآلية ذاتها المقررة لإعلانها، بما يستوجب تقديم طلبٍ مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء إلى مجلس النواب، لإصدار قرار بذلك بأغلبية الثلثين.
وبعد انتهاء الحرب، يلتزم رئيس مجلس الوزراء بأن يعرض على مجلس النواب أمرين: أولهما الإجراءات التي اتخذها أثناء الحرب، وثانيهما النتائج التي ترتبت عليها، وذلك خلال خمسة عشر يوماً.
إلا أن النص الدستوري لم يبيّن دور مجلس النواب إزاء هذه الإجراءات، وهل له إلغاؤها أم يقتصر دوره على الاطلاع عليها، كما لم يوضح الأثر المترتب على تجاوز هذه المدة.
ونرى أن مجلس النواب لا يستطيع إلغاء تلك الإجراءات، لكنه يستطيع استخدام وسائل الرقابة المنصوص عليها في الدستور إذا تبيّن أن رئيس مجلس الوزراء لم يلتزم حدود القانون الذي خوّله صلاحيات إدارة شؤون البلاد أثناء الحرب، أو لم يلتزم بتقديم إجراءاته ونتائجها خلال المدة المحددة.
وبكل الأحوال، تبقى جميع الإجراءات التي نصّ عليها الدستور، بدءاً من تقديم الطلب والموافقة عليه، مروراً بقانون تخويل الصلاحيات وممارسة تلك الصلاحيات وحدودها الزمنية، وانتهاءً بعرض الإجراءات ونتائجها، خاضعةً لرقابة القضاء المختص؛ إذ لا يوجد ما هو محصّن من الطعن، استناداً إلى المادة (100) من الدستور.
لكن السؤال الذي يُثار هنا: هل يمكن لرئيس مجلس الوزراء، بعد تحوّل وزارته إلى «تصريف أمور يومية»، أن يكون طرفاً في عملية إعلان الحرب؟ بالإشارة إلى قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (213/ اتحادية/ 2025)، المتضمن أن مجلس الوزراء يتحول إلى تصريف الأمور اليومية في يوم إجراء الانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، وأن تصريف الأمور اليومية يشمل اتخاذ القرارات والإجراءات غير القابلة للتأجيل، التي من شأنها ضمان استمرار عمل المرافق العامة بانتظام واضطراد.
إن جميع ما تم طرحه آنفاً هو مجرد أفكارٍ وآراءٍ، قابلة للنقاش وإثبات العكس، من أجل إثراء المعرفة الدستورية والقانونية بهذا الموضوع المهم.
باحث دكتوراه في القانون الدستوري