ولد إنساناً لكنها هي من حرمته
داليا حسن
كانت تجر كلبها المسعور وهي فرحة بأنيابه البلاستيكية وسلوكه العدواني .. دربته على الهجوم دون سبب واضح او داع يدعوه لذلك .. وكأنما ارادت له ان يختبر نشوة قوة زائفة مفترضة لا يملك منها الا مظهرها .. ربته على ثالوث البقاء (المأوى ، الماء والغذاء) فأثقلته بوهم الامتياز
اعفته من المسؤولية ونست بل تعمدت ان تتناسى ان شؤون الاخرين لا تعنيه وان الانسان لا يكبر بالامتيازات بل بالواجبات التي يتحملها ..
لقد ولد انسانا لكنها حرمته من ان يكون كذلك حتى صاغت منه اداة للهيمنة على الاخرين ظنا منها انها تصنع بذلك رجلا قادرا على مواجهة العالم .
كانت تراقب تدخله في تفاصيل حياة اخواته بصمت ثم تحول الصمت الى تشجيع والتشجيع الى قناعة راسخة بأن له سلطة لا يملكها احد ..
شوشت رؤيته حتى لم يعد يرى الاخرين اندادا له بل تابعين يدورون في فلكه فكبر وهو يعتقد ان رأيه مقدم وان رغباته اولى وان الذكورة وحدها تمنحه حق الوصاية على غيره ..
وهنا تبرز عدة أسئلة :
كيف تطالب الامهات بالعدل وهن اول من يخرق ميزانه داخل المنزل ؟
كيف ينتظر من طفل ان يؤمن بالمساواة وهو يرى اخته تحرم مما يمنح له دون استحقاق ؟
وكيف يتعلم الانصاف اذا كان التمييز اول درس يتلقاه في حياته ؟ هنالك امهات لا يحملن من القدسية الا الاسم ، كيف للجنة ان تكون تحت اقدام ام غير عادلة ميزت بين الذكر والانثى
فمنحت الاول كافة الحقوق وحرمت الاخيرة من ابسطها ..لم تكن تربي ابنا بل كانت تصنع امتيازا بشريا هشا سرعان مايتصدع عند اول احتـــكاك بحقيقة الحياة حيث لا مكان للالقاب العائلية ولا للسلطات الوهمية ..
ان بعض الامهات لا يربين ابناءهن على القيادة بل على الوصاية ولا يربينهم على المسؤولية بل على الامتياز وبين القيادة والوصاية فرق شاسع فالاولى تبني انسانا ناضجا اما الثانية فتصنع شخصا يعتقد ان السيطرة حق له وان الطاعة واجب على من حوله ..
ومع مثل تلك الامهات يغيب الحوار حتى وان حضر النقاش لأنهن لا يبحثن عن الحقيقة بقدر ما يبحثن عن تأكيد قناعاتهن فيتحول كل اعتراض الى عقوق وكل مطالبة بالعدل الى تمرد ..فهنيئا لها ما ربت وهنيئا لها ماصنعت بيديها لكن عليها ان تتذكر ان الكائن الذي اعتاد العض لا يميز دائما بين الغريب وصاحبه وان من تربى على السلطة دون مسؤولية قد ينقلب يوما على كل من حوله بمن فيهم من منحوه تلك السلطة ...