هل كان العالم سيتقّبل نموذجاً إيرانياً مندمجاً في النظام الدولي؟
محمد عبد الجبار الشبوط
لا يُفهم موقع أي دولة في النظام الدولي من خلال هويتها المعلنة فقط، بل من خلال سلوكها الاستراتيجي وقدرتها على الاندماج في القواعد التي تحكم هذا النظام، ولهذا فإن السؤال عن مدى تقبل العالم لنموذج إيراني حديث ومتقدم لا ينبغي أن يُصاغ بوصفه سؤالاً عن “الجمهورية الإسلامية” بحد ذاتها، بل بوصفه سؤالاً عن موقع هذا النموذج المفترض داخل معادلة القوة العالمية.
إن التجربة التاريخية للعلاقات الدولية تكشف بوضوح أن النظام العالمي لا يرفض الأنظمة المختلفة أيديولوجياً بقدر ما يرفض الأنظمة التي تُعرّف نفسها بوصفها مشروعاً موازياً أو مناقضاً له، بينما يُظهر مرونة كبيرة تجاه الدول التي تحتفظ بخصوصيتها الداخلية لكنها تعيد صياغة سلوكها الخارجي بما يجعلها جزءاً من شبكة المصالح العالمية.
قوى عسكرية
فبعد الحرب العالمية الثانية، أعادت كل من اليابان وألمانيا تعريف موقعهما في العالم، فانتقلتا من قوى عسكرية مهزومة إلى قوى اقتصادية وتكنولوجية كبرى، ولم يكن قبولهما نتيجة تخليهما عن هويتهما، بل نتيجة اندماجهما العميق في الاقتصاد العالمي وتخليهما عن السلوك الصراعي بوصفه أساساً لدورهما الدولي.
وفي سياق مختلف، قدمت الصين نموذجاً أكثر تعقيداً، حيث احتفظت ببنيتها السياسية الخاصة، لكنها أعادت توجيه استراتيجيتها نحو الاندماج الاقتصادي والتكنولوجي، فانتقلت من موقع المواجهة الأيديولوجية إلى موقع المنافسة داخل النظام العالمي، وهو ما أدى إلى قبولها كشريك اقتصادي أساسي رغم استمرار التباينات السياسية.
أما فيتنام، فقد انتقلت من دولة في حالة صراع مباشر مع الولايات المتحدة إلى دولة مندمجة في الاقتصاد العالمي، واستطاعت عبر هذا التحول أن تعيد بناء موقعها دون أن تفقد هويتها السياسية، وهو ما يعكس قدرة النظام الدولي على استيعاب نماذج مختلفة عندما يتغير سلوكها الاستراتيجي.
درجة عالية
في ضوء هذه النماذج، يمكن القول إن نموذجاً إيرانياً حديثاً، متقدماً علمياً وتكنولوجياً واقتصادياً، ومتخلياً عن الطموحات النووية العسكرية والتوسعية، كان من الممكن أن يحظى بدرجة عالية من القبول الدولي، لأن هذا النموذج كان سيعيد تعريف إيران من مشكلة أمنية إلى فرصة اقتصادية، ومن مصدر قلق استراتيجي إلى شريك محتمل في الاستقرار الإقليمي.
غير أن هذا القبول لم يكن ليكون مطلقاً أو خالياً من القيود، لأن طبيعة النظام الدولي تقوم على موازنة القوى لا على التسليم بصعودها دون ضوابط، وهذا يعني أن أي دولة بحجم إيران وموقعها الجغرافي كانت ستظل موضع مراقبة ومحاولات احتواء، حتى في حال اندماجها الإيجابي.
إن الولايات المتحدة، بوصفها القوة المهيمنة، لا تتعامل مع الدول على أساس هويتها الأيديولوجية بقدر ما تتعامل معها على أساس سلوكها .
وتأثيرها في التوازنات الدولية، وقد قبلت في مراحل مختلفة بصعود قوى لم تكن متطابقة معها في القيم أو النظام السياسي، لكنها كانت مندمجة في الاقتصاد العالمي ولا تسعى إلى تقويض قواعده.
وعلى هذا الأساس، فإن العقبة الأساسية أمام تقبل نموذج إيراني حديث لم تكن في طبيعته الإسلامية، بل في طبيعته الصراعية، أي في تعريفه لنفسه بوصفه مشروعاً في حالة اشتباك دائم مع النظام الدولي، وهو تعريف يجعل من الصعب إعادة تصنيفه كشريك حتى لو امتلك عناصر قوة اقتصادية أو تكنولوجية.
إن التحول الحقيقي الذي كان يمكن أن يفتح الباب أمام هذا القبول يتمثل في الانتقال من “هوية مقاومة” تُعرّف نفسها من خلال الصراع، إلى “هوية حضارية” تُعرّف نفسها من خلال الإنتاج والمعرفة والمساهمة في النظام العالمي، لأن هذا التحول لا يلغي الخصوصية، بل يعيد توظيفها في اتجاه مختلف.
وهنا يظهر البعد الأعمق للسؤال، حيث لا يتعلق الأمر بمدى استعداد العالم لتقبل دولة ما، بل بمدى استعداد هذه الدولة لإعادة تعريف موقعها في العالم، لأن القبول الدولي ليس منحة تُعطى، بل نتيجة لمسار طويل من إعادة بناء السلوك الاستراتيجي وتراكم الثقة.
إن الدولة التي تدخل النظام الدولي بوصفها شريكاً منتجاً في المعرفة والاقتصاد، وتُظهر قابلية للتنبؤ في سلوكها، وتبتعد عن المشاريع التي تُفسَّر بوصفها تهديداً مباشراً، تجد لنفسها مكاناً حتى لو كانت مختلفة في بنيتها السياسية أو الثقافية، أما الدولة التي تبقى في موقع الاشتباك المفتوح، فإنها تدفع الآخرين إلى التعامل معها بوصفها مشكلة يجب احتواؤها.
ومن هنا فإن السؤال عن الماضي يتحول إلى سؤال عن المستقبل: هل يمكن لأي دولة في منطقتنا أن تعيد تعريف نفسها من خلال الاندماج المعرفي والاقتصادي في العالم، دون أن تفقد هويتها، ودون أن تدخل في صراع مفتوح مع النظام الدولي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص دولة بعينها، بل تمس مجمل التحول الحضاري الذي تحتاجه المنطقة، حيث لا يمكن بناء قوة مستدامة في عالم اليوم من خارج منظومة المعرفة والاقتصاد العالمي، كما لا يمكن الحفاظ على الاستقلال الحقيقي دون امتلاك هذه القوة.
وبهذا المعنى، فإن المسألة ليست في ما إذا كان العالم سيقبل، بل في ما إذا كانت الدولة قادرة على أن تُقدّم نفسها بصيغة تجعل قبولها ممكناً، لأن القبول في النهاية ليس قراراً سياسياً منفصلاً، بل نتيجة طبيعية لتوازن جديد بين القوة والسلوك والموقع في النظام الدولي.