سيزيف في حقائبنا
لهيب عبدالخالق
نَمشي على أطرافِ ذاكرةٍ
تَيبّسَ وجهُها،
هذا المدى الموتورُ كالأرضِ التي تَكبو،
وتُضمرُ ما تبقّى من خرابٍ
في طواحينِ الصباحِ،
وبينَ نخلٍِ مستباحِ الحُلمِ،
بينَ قذائفٍ تهوي كآلهةِ الجحيمِ
على خرائطَ لم تعُد في رُقعةِ التاريخِ
غيرَ صحائفٍ مُتهرئة ْ.....
نحنُ الذينَ نُقايضُ الموتى بسترٍ،
والحياةَ بقهوةِ البارودِ،
نحملُ في حقائِبنا «سيزيفَ»
ونصعدُ كلّ يومٍ تلةَ الأنقاض ِ،
نرقبُ من بعيدٍ
جثةَّ المدنِ التي عَبَقتْ بكلِّ دمائِنا،
تقتاتُ كلّ الذكرياتِ
ووحشةَ النيرانِ،
تَغسلُ وجهَها بدُخانِها،
وتمورُ كالجثثِ الغريبةِ في ركامِ بيوتِنا،
بين الشّظايا والغبارِ
وما تَبقّى مِن سديمِ الياسمينِ
ورَقرقاتِ الشَذْرَوانْ.
نَمشي
وحَشرجةُ المدائنِ في الرمادِ
تعيدُ تشكيلَ الطغاةِ،
تعيدُ رسمَ ملامحِ الباقينَ
فوقَ الريحِ،
جدرانِ الملاجئِ،
في صَدى صَرخَاتِنا:
فلتَسقُطِ الحربُ التي تقتاتُ هذا الشرقَ،
تاريخاً من الموتِ الذي مازالَ يطحَنُنا
ويشربُنا كشايِ الأمسياتِ الغادرةْ...
فلتَسقطِ الحربُ التي جَثَمتْ
على عُنُقِ الطريقِ،
ومِنْ كُفوفِ الأمهاتِ
وهنّ يَغسِلنَ الصباحَ بِدمعِهنّ،
ومِن صُدورِ النازحينَ إلى الردى،
من صوتِ أطفالِ الرمادِ
يُرتّبونَ على الشظايا فُسحةً للنومِ،
فَلتَسقُطْ إلى فخِّ الجحيمِ الحربُ،
عن أكتافِ جنديٍ
يعودُ إلى سَرابٍ،
لا ديارَ
ولا جِدارَ
سوى رمادٍ أو دُخانْ.
فلتسقطِ الحربُ اللعينة
كي تعودَ إلى الحقولِ شغافها،
أسماءها،
وسنابلاً نسِيَتْ مَلامحَها،
لكي يتذكرَ النهرُ المُسجّى
كيفَ يحملُ ماءهُ،
فلتَسقُطِ الحربُ التي صَنعتْ لنا
وَطَناً مِنَ الخَوفِ المُقدَّسِ،
ثمَّ غَابَتْ فِي المَدَى..
ولنَمْشِ فوقَ حُطامِنا
نحنُ البَقَايَا..
نحنُ مَنْ نسِيَ الكلامَ،
وما نَسِينا كَيفَ نَبتلعُ الصَّدَى...
شاعرة عراقية مقيمة في كندا