الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رمضان بين التراويح وماراثون المسلسلات

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

رمضان بين التراويح وماراثون المسلسلات

ياس خضير البياتي  

 

منذ أن بدأت الرسالة في شروقها، أصبح رمضان ليس مجرد تاريخ في الجدول الزمني، بل وقفة أمام أنواع من الاستبداد الخفي. هذا الاستبداد لا يقتصر على مجالات السياسة فحسب، بل يمتد إلى تفاصيل حياتنا اليومية؛ في الهوس بالطعام، وفي سباقات المطاعم، وفي زحام الموائد التي تتجاوز قدرة القلوب. إنه شهر يجسد الثورة ضد “استبداد المعدة”، وضد الفكرة التي تروج أن القوة تأتي من الاستهلاك وليس من الاعتدال.

ومع ذلك، فإن التحدي لم يعد محصورًا بالطعام فحسب. فقد تحول رمضان – في تناقض مؤلم – إلى شهر مخصص للمسلسلات بشكل واضح. تخوض العائلات منافسة في متابعة الأعمال الدرامية، وتعيد تنظيم حياتها لترتبط بمواعيد العرض، حتى أن بعض الأسر تعود من الصلاة والتراويح لتجلس أمام الشاشات كما لو أن الطمأنينة تُستكمل بمشاهدة حلقة جديدة.

فتختتم الأدعية، لتبدأ الفواصل الإعلانية؛ ينخفض صوت القرآن، ويرتفع صدى الدراما. وكأننا نستبدل سكينة الصلاة بضجيج القصص. ليس القصد هو إلغاء الفرح أو تجاهل الحاجة للترفيه، لكن السؤال يتجاوز ذلك: هل أصبح الشهر الذي أُنزل فيه القرآن هو موسم للمتابعة المستمرة، بدلًا من كونه فترة للتأمل الذاتي؟ هل تبدل الليل الذي كان مخصصًا للذكر والتفكر إلى سباق درامي طويل، ننتقل فيه بين مسلسل وآخر كما ينتقل الناس بين أطباق العشاء؟

جوهر رمضان لا يقتصر على صوم البطن، بل يمتد إلى صوم العقل عن الشتات. هو يقتضي امتناعًا عن النميمة كما عن الطعام، وعن الكذب كما عن الماء، وعن جلد الآخرين في المقاهي والمساجد كما عن الشهوات. إنه تربية على ضبط النفس قبل تنظيم ما حولنا، وعلى تهذيب الكلام قبل تهذيب الأجساد.

ومن المفارقات أن الشهر الذي يفترض أن يوحد الأمة حول معنى موحد، يكشف أحيانًا عن تشتت الأنظمة وضيق بعض رجال الدين حين يختلفون في تحديد بدايته ونهايته. يتباعد الناس في بداية الشهر، وكأن التباين في رؤية الهلال يعبر عن سلطة بدلاً من كونه مجالًا للاجتهاد. تتعدد المواعيد، وتتباعد القلوب، بينما يردد القرآن: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا). ما قيمة الصوم إذا كنا نفطر على الانقسام؟ وأي نوع من السيادة الروحية نتوقعها إذا كانت أول دروس الشهر هي الفراق بدلًا من الوحدة؟

الدرس الحقيقي في رمضان هو الإيثار. أن تشعر بجوع الفقراء بدلاً من مضاعفة مشترياتك. أن ترى في الصائم الآخر أخًا وليس خصمًا. أن يكون وجودك في المسجد استمرارية لخلقك في البيت، لا فصلاً بين العبادة العامة والسلوك اليومي. الإيثار ليس فقط كلمات عاطفية، بل هو فعل: أن تتقدم بالتسامح على التشفي، وبالرحمة على القسوة، وبالوحدة على النزاع.

في تاريخنا إشارات واضحة لمن يرغب في التأمل.بدأت فتوحات الإسلام في رمضان، حين انتصر المسلمون بدرًا جياعًا أمام جيشٍ مشبع، لأن الصيام بنى فيهم وحدة الروح قبل قوة السيوف. ثم فتحت القسطنطينية في رمضان، فكان السلطان محمد الفاتح يقول: «نحن نصوم فننتصر، وهم يأكلون فينهزمون»...وفي الأندلس، ازدهرت العلوم في ليالي رمضان، حيث كانت بغداد والقاهرة تُضيء بقراءة القرآن والعلم، لا ببذخ الولائم. لم تكن الانتصارات العظيمة ناتجة عن بطون ممتلئة، بل عن نفوس منضبطة. عندما كان رمضان منصة لبناء الإنسان، استطعنا بناء حضارة.

أصبح شهر رمضان بالنسبة لبعض الأفراد وقتًا للتفاخر بدلاً من أن يكون موسمًا للتنقية الروحية؛ حيث يتم التقاط صور في الصفوف الأمامية وتتكرر إعلانات حضور صلاة التراويح كما تُعلن الإنجازات. ثم تخف الأضواء ليتجلى جانب آخر لا يراه أحد. يُرفع شعار «نحن صائمون» في العلن، بينما يُساء استخدام حقوق الضعفاء في الخفاء، كأن الصوم هو مجرد إعلان للسمعة دون التزام أخلاقي مع الله.

بالمقابل، قد تجد من لا يرفع أي شعارات ولا يمتنع عن الطعام، لكنه يزور الأيتام بصمت ويترك لهم ما يكفي من الطعام قبل أن يغادر. اختلطت المعايير، وضاع معنى العبادة عندما تحولت إلى استعراض على وسائل التواصل بدلاً من أن تكون توبةً تعالج القلوب. رمضان لا يُقاس بمدى الحضور بل بصدق النوايا، ولا يُختبر أمام كاميرات، بل في لحظات الاختيار التي لا يراها إلا الله.

اليوم، يتعين علينا استعادة روحانية هذا الشهر. يجب أن نحرره من الاستهلاك المفرط، ومن التسييس الضيق، ومن النزاعات السطحية، ونعود به إلى وظيفته الأصلية: إعادة ترتيب الأولويات. ليس المطلوب أن نتجنب الشاشات تمامًا، بل يجب ألا نغلق قلوبنا. وليس المقصود حرمان أنفسنا من الترفيه، بل علينا ألا ندع الترفيه يسرق جوهر هذا الشهر الكريم.

ليست السيادة شيئًا يُقدَّم على المائدة، ولا برنامجاً يُعرض بعد التراويح، بل هي نورٌ يتسلل إلى القلب عندما ينتصر على رغباته، وسكينة تنشأ عندما نختار المعنى بدلاً من الفوضى. قد نملك ساعات طويلة أمام الشاشات، وقد نفقد لحظة صدق، بينما ربما يكون الروح الصائم أقل انشغالًا، لكنه عميق الحضور.

عندما تُسأل: أين تكمن القوة؟ فاجب بأن القوة تكمن في قلب يمتنع عن الأذى قبل الامتناع عن الطعام، ويتحد على الخير قبل أن يختلف حول الهلال، فتسمو روحه وتستقيم.

 

yaaas@hotmail.com

 

 

 


مشاهدات 84
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/02/22 - 3:15 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 1:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 17712 الكلي 14949355
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير