الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجزيرة ليست كل الحكاية: لماذا نصرخ هناك ونصمت هنا؟

بواسطة azzaman

الجزيرة ليست كل الحكاية: لماذا نصرخ هناك ونصمت هنا؟

معتصم الصالح

 

اللِّنتة صارت مثل ساحةٍ في العصور الوسطى: حشدٌ، مشاعل، صراخ، وغضبٌ استعراضي. الجميع يشير إلى “النخبة” كأنها تجسيد الشرّ ويهتف: «ها هو!». ومع الصراخ يأتي ارتياحٌ خفيّ… لأن الشرّ مريح حين يكون بعيداً: على يخت، في جزيرة، في اسمٍ لا يخصّنا. عندها يبدو الغضب فضيلة، وتبدو الكراهية “وعياً”.

لكن العالم لم يُفزَع من الجريمة بقدر ما فُزِع من رفع الغطاء.

ليس لأن الضمير صحا— فالضمير لا يستيقظ بالصدفة— بل لأن الثلاجة التي كانت تحفظ العفن تعطّلت. تسرّب كل شيء، وفاحت الرائحة، وصار كثيرون يتصرّفون وكأن الفساد بدأ “فجأة”.

وحين تبدأ النخب بأكل بعضها، لا تتقاذف الأفكار… بل تتقاذف الأرشيف: فضائح، ملفات، تسجيلات. الحقيقة هنا ليست نوراً، بل شفرة. هذا ليس تطهيراً؛ هذه حربُ مفترسين، حيث تُستدعى الحقائق لا من أجل العدالة، بل من أجل الغلبة.

«حين تتحوّل الحقيقة إلى سلاح، تفقد براءتها».

لكن الأخطر لا يحدث هناك في الأعلى… بل في الأسفل، حيث لا تصل الهاشتاغات.

هناك جحيم بلا إنترنت ولا محامين ولا ملايين. جحيم يشبه بيتاً عادياً: رائحة طعام، غبار، أغطية قديمة، وواجهة “حياة طبيعية”. هناك حيث يُؤذى طفل، ويُقال: “لا تتدخل”. حيث يتغيّر طفل فجأة، ويُقال: “مرحلة وتمر”. حيث يُرى الخطر ويُسمّى “سوء فهم” حفاظاً على الراحة.

هذا ليس استثناءً نادراً. إنه اعتيادٌ اجتماعي على الصمت، وتطبيعٌ للأذى باسم العائلة والسمعة.

«أخطر الشرور لا تبدو مرعبة دائماً… كثيراً ما تبدو مألوفة».

والقانون النفسي بسيط وقاسٍ: من يُخان في طفولته لا يتعلّم ما حدث فقط؛ يتعلّم كيف يعمل العالم. يتعلّم أن القرب قد يكون تهديداً، وأن الحدود قد تُداس، وأن الاستغاثة قد لا تجد عنواناً. ثم يكبر الناس بثلاثة وجوه: من ينكسر، من يتجمّد، ومن يعيد إنتاج الشرّ لأنه لم يتعلّم لغةً أخرى للحياة.

«الصدمة ليست الحدث… الصدمة هي ما يفعله الحدث بقدرتك على الثقة والشعور».

 

ومن هذه المطحنة يخرج الصامتون، المتحمّلون، المُبرِّرون، وأصحاب “مو كلش واضح”— لا لأنهم لا يفهمون، بل لأن الفهم يفرض موقفاً.

والآن المرآة: كثيرون ممن يصرخون اليوم ضد “شرّ النخب” كانوا بالأمس صامتين أمام شرٍّ أقرب منهم:

رأوا تغيّر الطفل ولم يسألوا.

لاحظوا سلوكاً مريباً ولم يواجهوا.

اختاروا الراحة على الحقيقة.

لأن شرّ البيت لزج: لا يطلب منشوراً… بل موقفاً. لا يطلب لايك… بل صداماً.

«من السهل إدانة الشرّ البعيد… أما الشرّ القريب فيطلب منك أن تدفع الثمن».

النخب ليست الجذر وحدها؛ هي مؤشّر. هي صورة مكبّرة لما يسمح به الصمت حين يتحوّل إلى مال وسلطة وحصانة. في الأسفل يصمتون خوفاً، وفي الأعلى يشترون الصمت. العفن واحد… لكن الميزانيات مختلفة.

فإذا كنتَ تكره “فضائحهم” بكل هذا الغضب، لكنك حين كان الشرّ قريباً قلتَ: “ليس شأني”… فأنت لست على الضفة الأخرى. أنت نسخة أرخص من النظام نفسه: بلا جزيرة ولا يخت، لكن بالخيار ذاته— أن تصمت أو لا تصمت.

«الصمت ليس حياداً… الصمت انحيازٌ للواقع كما هو».

والأكثر قسوة؟ أن أخطر الوحوش ليست دائماً هناك بعيداً.

أحياناً تكون قربنا… يعرفها الجميع… ومع ذلك يُسمح لها أن تبقى.


مشاهدات 50
الكاتب معتصم الصالح
أضيف 2026/02/21 - 12:36 PM
آخر تحديث 2026/02/22 - 1:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 89 الشهر 16851 الكلي 14948494
الوقت الآن
الأحد 2026/2/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير