الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مسار الدولة التعدّدية.. العراق بين روح الدستور ومنطق الغلبة

بواسطة azzaman

مسار الدولة التعدّدية.. العراق بين روح الدستور ومنطق الغلبة

عطا شميراني 

 

في التجارب السياسية المعاصرة، لا يُقاس استقرار الدول المتعددة المكونات بمدى قوة مؤسساتها فحسب، بل بقدرتها على إدارة التوازن بين النص الدستوري وواقع القوة. وفي العراق، منذ عام 2003، شكّل هذا التوازن حجر الأساس في بناء نظام سياسي قائم على الشراكة لا على الهيمنة، وعلى التوافق لا على الغلبة. ضمن هذا السياق، لم تكن المؤسسة العسكرية مجرد جهاز أمني، بل مرآة تعكس طبيعة العقد السياسي الجديد. فالحضور الكردي داخل مفاصل الجيش بعد 2003 لم يكن ترتيبا شكلياً، بل جزءاً من تسوية تاريخية أعادت تعريف الدولة العراقية باعتبارها دولة متعددة المكونات، تتقاسم فيها القوى الرئيسة المسؤولية والسيادة.

غير أن المؤشرات الراهنة توحي بأن هذه الصيغة تمر بمرحلة مراجعة عميقة. فالتراجع الملحوظ في تمثيل الكرد داخل هرم القرار العسكري لا يمكن قراءته بوصفه تحركاً إدارياً معزولاً. المسألة ترتبط ببنية السلطة نفسها: من يملك القرار؟ ومن يحدد اتجاه المؤسسة السيادية الأهم في الدولة؟

قوة مسلحة

الدستور العراقي، ولا سيما في مادته التاسعة، وضع مبدأ التوازن والتمثيل العادل في صلب تشكيل القوات المسلحة. هذا النص لم يكن تفصيلاً قانونياً، بل تعبيراً عن وعي تاريخي بخطورة احتكار القوة المسلحة في مجتمع متنوع. فالدول التي تتجاهل حساسية التعدد داخل مؤسساتها السيادية غالباً ما تجد نفسها أمام أزمات ثقة يصعب احتواؤها. لكن الفجوة بين “روح الدستور” و”منطق الممارسة” تبدو اليوم أكثر وضوحاً. فالعراق يشهد منذ سنوات ميلاً متصاعداً نحو إعادة مركزية القرار، سواء بدافع ضرورات الأمن، أو تحت ضغط تعقيدات المشهد الإقليمي، أو نتيجة تحولات داخل موازين القوى السياسية. في ظل هذا المسار، تتحول الشراكة من قاعدة تأسيسية إلى خيار قابل لإعادة التفاوض، وتصبح المشاركة رهناً بميزان التحالفات لا بمرجعية النص. في هذا الإطار، يتبدل مفهوم التوافق من كونه شراكة متساوية إلى توافق مشروط، تحدد حدوده القوى الأكثر تنظيماً وتأثيراً. وهذا التحول، وإن بدا تدريجياً، يحمل دلالات استراتيجية؛ لأنه يمس فلسفة الدولة ذاتها. فالدولة التعددية لا تستمد مشروعيتها من الأغلبية العددية وحدها، بل من قدرتها على طمأنة مكوناتها بأنهم شركاء في القرار لا مجرد أطراف في المعادلة. في المقابل، لا يمكن عزل هذا التطور عن السياق الكردي الداخلي. فالتباينات بين القوى السياسية الكردية، وضعف التنسيق في إدارة الملفات الاتحادية، أضعفا الموقف التفاوضي في بغداد. وفي نظام سياسي تحكمه التحالفات المتغيرة، فإن أي انقسام داخلي ينعكس مباشرة على مستوى التأثير في القرار المركزي. وهكذا، تتحول قضية التمثيل في المؤسسة العسكرية إلى انعكاس مباشر لمعادلات أوسع تتجاوز حدودها المهنية.

مؤسسة عسكرية

تكمن خطورة المسار الحالي في رمزيته بقدر ما تكمن في نتائجه العملية. فالمؤسسة العسكرية، في الدول الخارجة من أزمات بنيوية، تُعد مقياساً حساساً لمدى الثقة المتبادلة بين المكونات. وكلما تراجع الإحساس بالتوازن داخلها، تعززت المخاوف من عودة منطق الاحتكار، حتى وإن لم يكن ذلك مقصوداً بصورة مباشرة.

السؤال الجوهري اليوم ليس كم تبلغ نسبة هذا المكون أو ذاك، بل: أي نموذج للدولة يتشكل في العراق؟ هل هو نموذج يستند إلى روح الدستور بوصفه عقداً سياسياً ملزماً، أم نموذج تحكمه ديناميات الغلبة السياسية وإعادة توزيع النفوذ وفق اعتبارات ظرفية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح المرحلة المقبلة في العلاقة بين أربيل وبغداد، كما ستحدد اتجاه الدولة العراقية ككل. فإما أن تُعاد تثبيت فلسفة الشراكة بوصفها خياراً استراتيجياً يحمي استقرار النظام التعددي، وإما أن يتكرس مسار تدريجي نحو مركزية أقوى تعيد صياغة مفهوم التوازن. وبين روح الدستور ومنطق الغلبة، يقف العراق أمام مفترق تاريخي دقيق: الحفاظ على معادلة الشراكة التي ضمنت قدراً من الاستقرار بعد 2003، أو الدخول في مرحلة جديدة تعاد فيها كتابة قواعد اللعبة السياسية. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون القرارات مجرد ترتيبات إدارية، بل مؤشرات على شــــــكل الدولة التي تتبلور في الأفق.

 


مشاهدات 66
الكاتب عطا شميراني 
أضيف 2026/02/21 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/02/22 - 1:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 90 الشهر 16852 الكلي 14948495
الوقت الآن
الأحد 2026/2/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير