الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الاستفسار البرلماني: بينَ النصِ الدستورِ والمصلحةِ الوطنيةِ

بواسطة azzaman

الاستفسار البرلماني: بينَ النصِ الدستورِ والمصلحةِ الوطنيةِ

محمد خضير الانباري

 

في خضمِ الجدلِ الدستوريِ الذي رافقَ جلساتِ انتخابِ رئيسِ الجمهورية، وجهَ رئيسُ مجلسِ النوابِ العراقي، السيدُ هيبت الحلبوني، مؤخرا، استفسارا، إلى المحكمةِ الاتحاديةِ العليا، طالبا فيهِ تفسيرا دستوريا واضحا بشأنَ مسألةِ عدمِ اكتمالِ النصابِ القانونيِ اللازمِ لعقدِ جلسةِ الانتخابِ وقدْ انصبَ الاستفسار- تحديدا- على تفسيرِ المادةِ (70) منْ الدستورِ العراقي، فما يتعلقُ بنسبةِ الحضورِ المطلوبةِ لانعقادِ جلسةِ انتخابِ رئيسِ الجمهوريةِ وشروطها المطلوبة، في حضورِ ثلثيْ العددِ الكليِ لأعضاءِ مجلسِ النواب، أوْ تحققُ الأغلبيةُ المطلقةُ بعدَ اكتمالِ النصابِ القانونيِ العامِ للجلسات. لقدْ جاء هذا الاستفسارِ في ظلِ انسدادٍ سياسيٍ حال دونَ إتمامِ عمليةِ الانتخاب، نتيجةُ مقاطعةِ عددٍ منْ الكتلِ النيابيةِ للجلسات، الأمرُ الذي أدى إلى تعطيلٍ تحققَ النصابُ الدستوري، . وأيا يكونُ الحكمُ الذي ستصدرهُ المحكمةُ الاتحاديةُ العليا، فإنهُ سيستندُ حتما إلى نصوصِ الدستورِ وأحكامه، وأيَ اجتهادٍ في تفسيرِ هذهِ النصوصِ سيكونُ منسجما معَ المصلحةِ الوطنيةِ العليا، وعليه، فإنَ الطروحاتِ المتعلقةَ بحلِ مجلسِ النوابِ أوْ الدعوةِ إلى انتخاباتٍ مبكرةٍ لا تبدو خيارا عمليا في ظلِ الأعباءِ الماليةِ التي ترهقُ خزانةَ الدولة، فضلاً عنْ أنَ التجاربَ السابقة، أثبتتْ أنَ تكرارَ المساراتِ ذاتها لا يفضي بالضرورةِ إلى نتائجَ مختلفة.

ومنْ المرجحِ كذلك، أنْ تؤكدَ المحكمةُ موقفها السابق، على قرارها التفسيريِ المرقمِ (16/ اتحادية/ 2023 ) الذي جاءَ واضحا وصريحا، إذْ شددتْ فيهِ على وجوبِ تطبيقِ نصِ المادةِ (70/ أولا) منْ الدستور، ومضمونهُ أنْ ينتخبَ مجلسُ النوابِ رئيسَ الجمهوريةِ منْ بينِ المرشحينَ بأغلبيةِ ثلثيْ مجموعِ أعضائهِ الكلى، ويتحققَ النصابُ بحضورِ ثلثيْ عددِ الأعضاءِ.

 إنَ جوهرَ الإشكاليةِ لا يتمثلُ في البحثِ عنْ معالجاتٍ شكليةٍ أوْ حلولٍ مؤقتة، بلْ في ترسيخِ مبدأِ الالتزامِ بالدستورِ وصونِ عملِ المؤسساتِ منْ التعطيلِ المتعمد، سواءً عبرَ الانسحابِ أوْ كسرِ النصابِ بقصدِ فرضِ تفاهماتِ خارجِ الإطارِ الدستوري. فجلسةُ انتخابِ رئيسِ الجمهوريةِ تعدُ منْ أهمِ جلساتِ مجلسِ النواب، بلْ يمكنُ وصفها بالجلسةِ المفصلية، لما يترتبُ عليها منْ تكليفِ رئيسِ مجلسِ الوزراءِ واستكمالِ تشكيلِ السلطةِ التنفيذية. ومنْ ثم، فإنَ مقتضياتِ المصلحةِ الوطنيةِ تستوجبُ صدورَ قرارٍ حاسمٍ منْ المحكمةِ الموقرةِ يضعُ حدا لحالةِ التعطيل، ويؤكدَ قدسيةَ الاستحقاقاتِ الدستوريةِ وعدمِ إخضاعها للمساوماتِ السياسية.

  وينبغي أنْ يكونَ القرارُ ملزما لأعضاءِ مجلسِ النوابِ بالحضورِ الإلزاميِ إلى جلسةِ انتخابِ رئيسِ الجمهورية، انسجاما معَ مسؤوليتهمْ الدستوريةِ وتمثيلهمْ للشعب.

 وفي هذا السياق، فإنَ العضوَ البرلمانيَ منتخبَ منْ الشعبِ مباشرة، وليسَ منْ كتلتهِ السياسية، الأمرُ الذي يقتضي مساءلةَ كلِ منْ يتخلفُ عنْ الحضورِ أوْ ينسحبُ منْ الجلسةِ استجابةً لقرارِ كتلته، معَ اعتمادِ الآلياتِ القانونيةِ الكفيلةِ بمعالجةِ ذلكَ وفقَ تسلسلِ الأصواتِ أوْ البدائلِ الدستوريةِ المتاحة.

  إنَ القرارَ الصادرَ من المحكمة الاتحادية العليا، يعكسُ دورَ القضاءِ في حمايةِ المسارِ الديمقراطيِ وصونِ العمليةِ السياسيةِ منْ تأثيرِ النفوذِ والمصالحِ الضيقة، تأكيدا لسيادةِ الدستورِ وهيبة الدولة. فالوطنيةُ الحقيقيةُ تقتضي تغليبَ استقرارِ المؤسساتِ ووحدةِ القرارِ السياسيِ على أيِ اعتباراتٍ شخصيةٍ أوْ فئوية.

 


مشاهدات 58
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/02/21 - 1:16 AM
آخر تحديث 2026/02/21 - 3:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 116 الشهر 15982 الكلي 14947625
الوقت الآن
السبت 2026/2/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير