الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أوروبا تعيد حساباتها في الشرق الأوسط… بعيدًا عن الظل الأمريكي

بواسطة azzaman

أوروبا تعيد حساباتها في الشرق الأوسط… بعيدًا عن الظل الأمريكي

علي كمال الدين 

 

لم تعلن أوروبا يومًا أنها غيّرت سياستها تجاه الشرق الأوسط، لكن ما يحدث في كواليس القرار الأوروبي يشير إلى تحول أعمق مما يبدو في البيانات الرسمية. فالقارة التي شاركت لعقود في رسم سياسات المنطقة بدأت اليوم تعيد حساباتها بهدوء، ليس ابتعادًا عن الشرق الأوسط فقط، بل محاولة للخروج تدريجيًا من ظل الرؤية الأمريكية نفسها.

لم تعد أوروبا تنظر إلى الشرق الأوسط بالطريقة التي اعتادت عليها خلال العقدين الماضيين. ما يحدث اليوم ليس مجرد تعديل في أدوات السياسة الخارجية، بل تراجع صامت عن مرحلة كاملة من الأفكار التي حكمت العلاقة مع المنطقة منذ سقوط بغداد عام 2003. في تلك السنوات ساد اعتقاد أوروبي بأن التحولات السياسية يمكن تسريعها عبر الضغط الدبلوماسي وبرامج دعم الديمقراطية ومشاريع إعادة بناء الدولة، لكن بعد عقدين من الحروب والأزمات والهجرة وعدم الاستقرار، يبدو أن أوروبا وصلت إلى نتيجة غير معلنة: الشرق الأوسط لا يتغير وفق الخطط المكتوبة في بروكسل.

الحرب في أوكرانيا شكّلت نقطة التحول الأوضح. فقد اكتشفت أوروبا فجأة أن أمنها الطاقوي واستقرارها الاقتصادي وحدودها الداخلية باتت أولويات تتقدم على أي مشروع سياسي خارج القارة. ومنذ ذلك الحين تغيّر السؤال الأوروبي جذريًا؛ لم يعد كيف يمكن تغيير المنطقة، بل كيف يمكن منع أزماتها من الانتقال إلى الداخل الأوروبي.

هذا التحول انعكس مباشرة على طبيعة العلاقة مع دول الشرق الأوسط. فبدل اللغة المثالية التي كانت تتحدث عن التحول الديمقراطي السريع، ظهرت مقاربة أكثر براغماتية تقوم على الاستقرار، والتعاون الاقتصادي، وأمن الطاقة، وإدارة ملفات الهجرة. لم تختفِ القيم من الخطاب الأوروبي، لكنها لم تعد المحرك الأول للسياسة كما كانت في السابق.

ولا يمكن فهم هذا التغيير بمعزل عن العلاقة المعقدة بين أوروبا والولايات المتحدة. فبينما ما تزال أوروبا تتحرك ضمن الإطار الأطلسي العام، أدركت خلال السنوات الأخيرة حجم اعتمادها الاستراتيجي على القرار الأمريكي، سواء في الأمن أو الطاقة أو إدارة الأزمات الدولية. ومن هنا بدأ يظهر توجه أوروبي أكثر حذرًا في الشرق الأوسط، لا بهدف معارضة واشنطن، بل لتقليل كلفة الانخراط في صراعات لا تتحكم أوروبا بإيقاعها الكامل. إنها محاولة صامتة لإعادة تعريف الدور الأوروبي دون إعلان القطيعة مع الحليف الأمريكي.

في هذا السياق يقف العراق في موقع خاص. فبعد أن كان محورًا دائمًا للنقاش السياسي الأوروبي في سنوات ما بعد الحرب، أصبح اليوم جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بالاستقرار الإقليمي والطاقة والتوازنات الدولية. لم يعد العراق يُقرأ فقط من زاوية الصراع، بل كعامل استقرار محتمل في منطقة تبحث القوى الدولية عن تهدئتها أكثر مما تسعى إلى إعادة تشكيلها.

ومن يراقب النقاشات الأوروبية عن قرب يلاحظ أن نبرة اليقين التي كانت تميّز الحوارات قبل سنوات تراجعت لصالح أسئلة أكثر حذرًا. لم يعد الحديث يدور حول كيفية تغيير الشرق الأوسط، بل حول كيفية فهمه أولًا، وكأن التجربة الطويلة دفعت صانع القرار الأوروبي إلى اكتشاف حقيقة بسيطة تأخر الاعتراف بها: المجتمعات لا تُدار من الخارج مهما بدت الخطط متقنة.

هذا التحول لا يعكس تراجعًا أوروبيًا بقدر ما يعكس واقعية متأخرة. فالعلاقة بين أوروبا والشرق الأوسط لم تكن يومًا علاقة سياسات فقط، بل علاقة تصورات وتوقعات متبادلة كثيرًا ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيدًا مما تخيلته العواصم الغربية. واليوم يبدو أن أوروبا تحاول الانتقال من دور الموجّه إلى دور الشريك الحذر.

بالنسبة للعراق، قد يبدو هذا التغيير خسارة للوهلة الأولى، إذ لم يعد يحتل مركز الاهتمام السياسي الأوروبي كما في السابق. لكن القراءة الأعمق تشير إلى فرصة مختلفة. فغياب المشاريع الكبرى يفتح المجال أمام علاقات أكثر توازنًا تقوم على المصالح المشتركة بدل الرؤى المفروضة من الخارج. السؤال لم يعد ماذا ستفعل أوروبا في العراق، بل ماذا يستطيع العراق أن يفعل بنفسه في لحظة أصبح فيها العالم أقل رغبة في التدخل وأكثر بحثًا عن الاستقرار.

ربما لا تعلن أوروبا صراحة أنها تسعى إلى الخروج من الظل الأمريكي في الشرق الأوسط، لكن خطواتها المتدرجة تشير إلى رغبة متزايدة في صياغة دور أكثر استقلالًا وأقل اندفاعًا. وبينما تنشغل القوى الكبرى بإعادة رسم توازناتها العالمية، يجد العراق نفسه أمام لحظة مختلفة: عالم أقل يقينًا، وأوروبا أكثر حذرًا، وفرصة نادرة لبناء علاقة تقوم على المصالح المتبادلة لا على مشاريع الآخرين. فالسؤال لم يعد من يقود المشهد في الشرق الأوسط، بل من يستطيع فهم تحوّلاته قبل أن تُفرض عليه نتائجها.

 


مشاهدات 58
الكاتب علي كمال الدين 
أضيف 2026/02/21 - 1:17 AM
آخر تحديث 2026/02/21 - 2:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 15981 الكلي 14947624
الوقت الآن
السبت 2026/2/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير