قصّة قصيرة
ثلاث نساء
علي إبراهيم
_1_امرأة الصمت
تجلس مثل كُلّ يوم متثاقلة قرب باب غرفة المعيشة،لم تعد تملك حاسة الشَم لكل الوجبات تنظر إلى احفادها يتحرّكون بسرعة ،يأكلون بسرعة تنظر إليها يمسكون شيئاً بأيديهم ،ولم تعرف نوع هذه الأكلة ولماذا هي في أيديهم وليست في حلوقهم ؟.الآن تيقنّت الجَدة انّهم يتهامسون ،ويضحكون على آلة اخبرها أحدهم : هو موبايل يُصوّر كلَ شيء ،ويرسل لنا صوراً متنوّعة. كانت الجدّة تصمت ،تهّز راسها في كلّ مرَة يعرض كلاماً عليها ،هي تسمع لكنَها تصمت أمام احفادها .كان في وسعهاان تصف القرية التّي سكنتها،وخيوط الشمس تُؤذن لها بالعمل في البيت تحفظ أسماء الحيوانات وتعرف ان تغطس في النهر بكلّ جدارة. يسرع أحد احفادها جدّتي أهداي سآخذ لكِ صورة في جهازي احتفظ بها .كانت تتضّجر من كلمة الهدوء ،وهي قضت عمرها في الصمت وقد إستجابت للهدوء الأبدي .
_2_امرأة الحُبّ
انتِ تبدين اكثر جمالاً،قالها وهو ينظر إليها من خلال المرآة تتردد عليها كثيراً.انّها الآنَ جالسة كانت ترمق نظراتهِ المتعجّلة ،نظرات السنين التي كسرت شوكتها فيما تطلب غايتها أن تسحب كلّ دينار من محفظتهِ حتى لا يتباهى به في لحظة من لحظات إنكسارها امامهُ يوم ينطق بابغض الحلال لا سيّما أنَ جارتها قد افصحت لها عن الطلاق الذي لا رجعة فيهِ.
سادَ الصمت بينهما اخذ خطواته إلى النافذة ،البرد القارس وقد بدت ملامح الشتاء .كيف علمتَ بجمال شعري؟قالتْ ثانية محاولة إستدراجه إلى المرأة والتي ظنَت انَه هشّمها منذ دقائق ! وبدت آثار وجهها المتجعّد على الأرض.كانت تحاول أن تمسك بشعرها الجميل ،هكذا دسّت لها زميلتها في العمل :حاولي ان تعتني بزوجكِ .كيف قالت هي؟ردَت زميلتها اجعليه بين فروة راسك ! يفتّش عن مخرج فلا يجدهُ !وسيتحوّل راسك إلى اسلاك حديد .قالتْ:عرفت عرفت.!
ظلّ قابضاً على المشط الفضيّ يعّد اعواده الرفيعة ويستل الشعرات الملتّفة عليه.امسكت هي بالمشط الفضيّ تحسبه آلة جارحة بين قلبينِ. هو يتحّسس شعرها الأسود لا شعرة بيضاء فيهِ قرّب يديه من وجهها ،خديّها.هي تنظر إلى حركاته كانّهُ اضاع شيئاً، اصابته الرجفة ،تلعثم لسانه أراد أن ينطق بحروف الكلمة التي قتلها قبل سنوات أُحبّكِ..أُحبّكِ.
كانت تعرف حجم كلمة الحُبّ والتي كثيراً ما ادّعى إحترافهُ لها. حاولت ثانية أن تبعد يديه عن شعرها الملتّف،هو يضغط بقوّة وهي تختبر درجات رجولتهِ في الغاية من ذلك ! وهل تجربةُ كهذه سوف تسعده .
ينظر إليها بعين من القسوة ،وتنظر إليه بعين من الشفقة! هي تعرف ما يريد منذ عشر سنوات مضت يوم فتشّت في خزانتهِ عن إستمارة طبيّة عليها أرقام أثبتت النتيجة النهائيّة عقيم ..عقيم! كانت خلال تلك السنوات تزيد من شحنات الحُبّ ،تلملم خيوط الشمس أن تسقط .تناغي القمر مساءً يتقبّل دعوات المُحبّينَ،وعشاق كلمات الغرام ،يضيء ما اظلم على القلوب .كلاهما القمرانِ كانا يزيدان في شحنة ودفقة الحُبّ الذي لم ينقطع!
كانت تحسب الدقائق الأخيرة من تساقط شعرات رأسها أمراً لا بدّ من الافصاح عنه بعد سكوتهِ كل تلك السنوات ،والغريب انًه لم يعرض عليها فكرة الزواج من ثانية يردد أمامها من يجرؤ على الحبّ؟كلاهما ينظران إلى المرأة هو يشدّ على شعرها ،وهي تصرخ بها وصلت مسامعه.انت عقيم..رجل عقيم!
ارتبك أمامها ،حاول أن يبعد يديه بخطوات إلى الخلف ،صاحت به لماذا تراجعت هيّا تقرّبَ أمام المرآة وانطقها يا رجل:أنا عقيم؟ نظر إليها يشوف .نعم أنا عقيم ولكن من يجرؤ على الحُبّ ؟وإستسلم بدموع نزلتُ على خديّه .احسّت وهي تمسك الدموع وهي بمثابة السهام التي جرحت قلبهُ.كبرت بين عينيه تنظر إليه.قالت:أنا مازلتُ اُحبّكَ. وأنا كذلك قالها بحضور من قلبها وسمعها لتطوي فقاعات جارتها في المحلّة ،وتخرّصات زميلتها في العمل ،وهي تحرس معه القفص الذهبيّ يوم دخلا إليه.
_3_امرأة الصُورة.
ادركتْ في اللحظات الأخيرة أنّه سوف يلتحق بالعسكريّة هي لم تقرا ولكنَ المذيع يسمعّها كل يوم اخبار الحرب .تنظر إلى ابنِها الذي سيكون الثالث يترك البيت مغادراً إلى أماكن الحرب ،تودّعه بدموع الأُم!،ولكن متى سيكون قدوم الأوّل والثاني بعد تاخرهما من الاجازة ؟
سارت أيام واشهر الحرب دون توقّف تنتظر إكمال سنتها.كان يُؤمل نفسه بالاجازة أن يقف امامِها ويقبّلها قبل أن يدخل محرقة النار ،إنفلاق،إنشطار ،تشظّي الحديد يتطاير من لهيب الألم!
تذكّرتكِ ايَتُها المتلوّعة بي عند جبل ازمر ،ربمّا ساصلُ اليكِ غداً أو بعد غدِ.اشتاقُ اليكِ،ولكن مَن سيرسل الكلمات ؟
يُسرعُ الخُطى نحو البيت ،والإجازة تملاُ قلبَهُ يدخل صالة البيت يُشاهد امَهُ الجالسة يقترب منها : امُي أنا رجعت من العسكريّة. أنا في إجازة .كانت جلستها اشبه بصورة تحتاج إلى تعليق على الجدار .يركض نحو أخته قائلاً: إمُي ما بها لا تتكلّم كانَها لا تعرفني ؟! لم يحصل على جواب .ها هي تخزن اطناناً من الوجع!
إمُي انتِ امرأة الصورة ،وكيف ساصوّرها واحتفظ بها؟
يرجع إلى وحدتهِ يتلقّى بعد يومينِ خبر رحيلها .كان متوقعاً أن يحتفظوا بصورتها جالسة امرأة الصورة على جدار صالة البيت.