الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ديمقراطيةً المسمار.. حينُ يتمسكُ البعضُ بالجدارِ رغمَ سقوطهِ

بواسطة azzaman

ديمقراطيةً المسمار.. حينُ يتمسكُ البعضُ بالجدارِ رغمَ سقوطهِ

محمد خضير الانباري

 

في عالمِ السياسة، هناكَ منْ يشبهُ المسمارُ الذي يرفضُ الخروج، حتى وإنْ تهدمَ الجدارُ الذي يثبتُ عليهِ هذا الوصفِ ينطبقُ على السياسيينَ الذينَ يتمسكونَ بمناصبهمْ رغمَ تآكلِ الثقةِ الشعبيةِ وتدهورِ مؤسساتِ الدولة، متجاهلينَ علاماتِ الانهيارِ الواضحةِ حولهم. التمسكُ بالسلطة، رغمَ فقدانِ الشرعيةِ الأخلاقيةِ أوْ الشعبية، ليسَ مجردَ عنادٍ شخصي، بلْ يمثلُ تحدٍ لنسيجِ الديمقراطيةِ نفسها.

أن المؤسساتُ الديمقراطيةُ ليستْ مجردَ هيكلٍ فارغ، بلْ هيَ مجموعةٌ منْ القواعدِ والضوابطِ التي تضمنُ التداولَ السلميَ للسلطة. وعندما يتحولُ السياسيُ إلى " مسمارٍ " ثابت، يصبح هذا التوازنِ هشا، ويبدأَ انهيارُ الثقةِ بينَ المواطنِ والحكم، والتاريخُ الحديثُ مليءٌ بالأمثلةِ على هذا النوعَ منْ العنادِ السياسي منْ محاولاتِ البقاءِ على مقاعدِ الحكمِ رغمَ الإخفاقاتِ الاقتصاديةِ والاجتماعية، إلى مقاومةِ الإصلاحاتِ الضروريةِ التي قدْ تهددُ النفوذَ الشخصي.

 في كلِ مرةٍ يتمسكُ فيها " المسمارُ " بمكانه، يدفعَ المجتمعُ ثمنا باهظا: تراجعُ الخدمات، تآكلُ مؤسساتِ الدولة، وربما احتجاجاتٍ شعبيةً تتصاعدُ بسرعة. الديمقراطيةُ ليستْ موروثا ثابتا، بلْ ممارسةً يوميةً تتطلبُ مشاركةً المواطنينَ ومساءلةُ المسؤولين. التمسكُ بالسلطةِ ضدَ تيارِ الشعبِ ليسَ علامةً على القوة، بلْ على ضعفِ النظامِ الذي يسمحُ باستمرارِ هذا الوضع. وهنا تكمنُ المهمةُ الكبرى للمجتمعِ المدنيِ والإعلام: فضحُ التجاوزات، تعزيزُ الشفافية، وضمان أنَ المسمارَ السياسيَ لا يتحولُ إلى عاملِ انهيار. في النهاية، على السياسيِ أنْ يتذكرَ أنَ البقاءَ على الجدارِ المتداعي ليسَ إنجازا، بلْ خطرا يهددُ استقرارَ الدولةِ ومستقبلِ الديمقراطيةِ نفسها. وعلى المجتمعِ أنْ يضعَ حدودا واضحةً للتمسكِ بالسلطة، لأنَ الديمقراطيةَ لا تتحملُ المساميرُ التي تثبتُ فوقَ الخراب.

  إنَ قصةً " ديمقراطيةً المسمارِ " تصورَ شخصا يتصرفُ وكأنَ الجدارَ ملكهُ الخاص، فيغرسُ نفسهُ فيهِ حتى لوْ كانَ متصدعا مفتونا بالمثلِ الشعبيِ ( مسمارُ جحا )، يتجاهلَ التوازناتِ الاجتماعية، ويتخطى الأعراف، ويختبرَ حدودَ النظام، معتقدا أنَ الإصرارَ وحدهُ يكفي ليمنحهُ الشرعية. لكنَ الحقيقةَ أنَ الديمقراطيةَ لا تبنى بالإكراه، ولا تستمدُ منْ الصوتِ الأعلى، بلْ منْ احترامِ القواعدِ التي تحمي الجميع.

   تواجه الديمقراطية، رغمَ كونها رمزَ الحريةِ وإرادةِ الشعوب عوائقَ خفيةً تعرقلها، تشملَ الفساد، التلاعبُ بالإعلام، إقصاءُ الآراءِ المخالفة، وقوانينُ تخدمُ مصالحَ محددة. بهذا تفرغُ الديمقراطيةِ تدريجيا منْ مضمونها، فتصبحُ إجراءاتٌ شكليةٌ بلا روح.

  لقدْ جاءتْ الديمقراطيةُ الحديثةُ إلى عراقنا بعدَ عامِ 2003، عقبَ عقودِ منْ الاستبداد، لكنها ما تزالُ بحاجةِ إلى أنْ تترسخَ ثقافةٌ في العقولِ قبلَ أنْ تكونَ نظاما في النصوص، فالديمقراطيةُ ليستْ اسما يرفعُ ولا شعارا يردد، بلْ ثقافةَ قبولٍ وتداولٍ واحترامٍ لإرادةِ الناس، غيرَ أننا ما زلنا أحيانا نحاولُ إخضاعها لمعاييرِ العشيرةِ أوْ النفوذِ أوْ المالِ أوْ الجاه، فنفرغها منْ معناها الحقيقيِ ونكسوها ثوبا لا ينسجمُ معَ روحِ العصر.

 

يعد الإصرارَ على المنصبِ أو الترشيح لمنصب أوْ الوظيفةِ العامةِ أوْ الخاصةِ — مهما كانَ صغيرا أوْ كبيرا — رغمَ رفضِ الغالبيةِ الكبرى، لا يصنعُ قيادةً ولا يمنحُ شرعيةً فالقيادةَ مسؤوليةٌ وتكليف، لا وجاهةً ومغنم. وقدْ قالَ تعالى: (لا إكراهَ في الدين) (البقرة: 256 ) ، فكيفَ يقبلُ إكراهَ الناسِ على رأيٍ أوْ زعامة؟ وقالَ سبحانه: (وأمرهمْ شورى بينهم) (الشورى: 38 ) ، فجعلَ الشورى أساسَ إدارةِ الشأنِ العام، لا الفرضُ والتسلط. منْ الحكمِ المأثورةِ في هذا الشأن: منْ عرفَ قدرُ نفسهِ استراحَ وأراحَ ”، والقول: “ رحمَ اللهُ امرأً عرفَ قدرَ نفسه. فالتشبثُ بالمنصبِ معَ معارضة البعض ممن معك في المسيرة، أوْ محاولةِ كسبِ التأييدِ بالمالِ والضغطِ والمساومة، لا ينسجمُ معَ روحِ الديمقراطيةِ ولا معَ مكارمِ الأخلاق. والمنطقُ السليمُ يقضي بأنْ يفسحَ منْ لمْ يحظَ بثقةِ الناسِ المجالِ لغيره، فالتداولُ سنةُ الحياة، ودوامَ الحالِ منْ المحال.

  أنَ القائدَ الحقَ لمجتمعهِ هوَ منْ يوازنُ بينَ الحكمةِ والتواضع، ويقرنَ العلمُ بالأخلاق، لا منْ يفرضُ ذاتهُ بالقوةِ أوْ يطلبُ العلوّ على الناس. وقدْ قالَ سبحانه و تعالى: (تلكَ الدارِ الآخرةِ نجعلها للذينَ لا يريدونَ علوا في الأرضِ ولا فسادا) (القصص: 83 ) . فالتكبرُ وحبَ السيطرةِ سبيلانِ إلى الفساد، لا إلى الإصلاح. ومنْ تقدمَ بهِ العمرُ أوْ ضعفتْ قدرتهُ على العطاء، فالأجدرُ بهِ أنْ يكونَ قدوةً في الرأيِ السديدِ والنصيحةِ الصادقة، وأنْ يتركَ الكراسيَ الدنيوية، ويفسحَ المجالُ لمنْ هوَ أقدرُ على الخدمةِ والعملِ وخاصةَ جيلَ الشباب، متفرغا لعبادتهِ وصلتهِ بربه؛ فذلكَ أسمى لهُ وأبقى أثرا، فالقيادةُ ليستْ تشبثا بكرسيٍ زائل، بلْ هيَ أثرٌ طيبٌ يبقى بعدَ الرحيل. أنَ المجتمعَ الذي يرسخُ قيمَ الرضا والشورى والكفاءة، ويقصي الإكراهُ والهيمنة، هوَ مجتمعٌ يسيرُ نحوَ مستقبلِ أوسعِ أفق، تصان فيهِ الكرامة، ويقاسَ فيهِ الإنسانُ بعلمهِ وخلقه، لا بسطوتهِ أوْ ثروته.


مشاهدات 91
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/02/22 - 3:19 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 1:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 17712 الكلي 14949355
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير