الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فلسفة الجباية وإغتيال السياحة

بواسطة azzaman

فلسفة الجباية وإغتيال السياحة

عمار ياسر كطان

 

منذ قرون، وضع العلامة ابن خلدون قاعدة ذهبية في علم الاجتماع والاقتصاد، حين قال: «كَثْرَةُ الجِباية تُنذِرُ بالنِّهاية». هذه العبارة ليست مجرد حكمة تاريخية، بل هي تشخيص دقيق لمرض عضال تعاني منه الاقتصادات الريعية التي تستسهل مد اليد إلى جيب المستثمر والمواطن بدلاً من تشغيل عقول المخططين لخلق الثروة.

وإذا أردنا إسقاط هذه القاعدة على القطاع السياحي في بلدنا، فإننا نجد أنفسنا أمام تطبيق حرفي ومؤلم للتحذير الخلدوني. فالسياحة، التي تُعد “نفطاً دائماً” وصناعةً للأمل والحياة، تواجه اليوم خطر الاختناق تحت وطأة الرسوم والضرائب والجبايات المتعددة التي تفرضها الجهات الحكومية دون النظر إلى مآلات هذه السياسة.

أولاً: الجباية كقاتل للتنافسية (الأثر الاقتصادي):

السياحة صناعة شديدة الحساسية للسعر. حين تبالغ الدولة في فرض الضرائب على الفنادق، والمطاعم، وشركات السفر، فإنها تجبر المستثمر تلقائياً على رفع الأسعار لتغطية تكاليفه. النتيجة؟ يصبح المنتج السياحي الوطني أغلى من نظيره في دول الجوار (تركيا، إيران، مصر)، فيهرب السائح -والمواطن أيضاً- إلى الخارج، وتخسر الدولة العملة الصعبة بدلاً من جذبها. هنا، الجباية لم تزد الإيرادات، بل دمرت “القاعدة الإنتاجية” تماماً كما تنبأ ابن خلدون.

ثانياً: هروب الاستثمار (الأثر التنموي):

رأس المال جبان، لكنه ذكي أيضاً. لا يوجد مستثمر عاقل يضخ أمواله في بناء فنادق ومنتجعات في بيئة تتعامل معه كـ”فريسة” أو كـ”متهم” يجب تغريمه. كثرة الجباية تحول بيئة الاستثمار السياحي من بيئة جاذبة إلى بيئة طاردة، مما يجهض أي حلم بالتنمية المستدامة.

ثانياً: الجباية كبديل كسول عن الإدارة (الأثر الإداري):

إن لجوء المؤسسات الحكومية لتعظيم إيراداتها عبر “الجباية” هو اعتراف صريح بالفشل في “الإدارة”. الإدارة الناجحة هي التي تخلق بيئة سياحية مزدهرة، وتسهل الإجراءات، وتطور البنى التحتية، فتزداد أرباح القطاع الخاص، وحينها -وفقط حينها- تزداد الحصيلة الضريبية للدولة بشكل طبيعي وصحي. أما القفز مباشرة لفرض الإتاوات والرسوم على قطاع يترنح، فهو سياسة “حلب الضرع حتى خروج الدم».

ختاماً..

إن السياحة تحتاج إلى (رعاية) لا (جباية)، وإلى (تسهيلات) لا (تعقيدات). إننا ومن موقعنا كخبراء وممثلين لهذا القطاع الحيوي، ندق ناقوس الخطر: إن الاستمرار في عقلية “الجباية” دون تقديم خدمات مقابلة، ودون وجود رؤية تنموية شاملة، هو حكم بالإعدام البطيء على السياحة في العراق.

علينا أن نختار: إما دولة تنمو وتزدهر بقطاع خاص قوي، أو دولة “تُنذر بالنهاية” كما حذرنا ابن خلدون.. واللبيب تكفيه الإشارة.

□  رئيس الجمعية الخدمية للسياحة والفندقة

 


مشاهدات 107
الكاتب عمار ياسر كطان
أضيف 2026/01/12 - 4:25 PM
آخر تحديث 2026/01/13 - 11:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 382 الشهر 9430 الكلي 13116853
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير