الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإمام الكاظم (ع): فلسفة الصبر واستراتيجية المواجهة

بواسطة azzaman

الإمام الكاظم (ع): فلسفة الصبر واستراتيجية المواجهة

حسين الزيادي

 

  نستذكر في الخامس والعشرين من شهر رجب ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)، الإمام السابع من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهي مناسبة بما تحمله من دلالات إنسانية وروحية عميقة، تستوجب استلهام صورها ومعانيها السامية لما تتركه من أثر بالغ في وجدان المؤمنين ومحبيّ الإمام ومواليه، إذ يُعدّ الإمام الكاظم (عليه السلام) من أعظم الشخصيات الإسلامية التي تجسدت فيها قيم الرسالة المحمدية في أرقى صورها، علماً وعبادةً وموقفاً ومسؤولية، تميز بكونه من اعبد اهل زمانه واعلمهم وافقههم واتقاهم، اشتهر بالحكمة والتقوى والحلم والكرم فقد مثّل الامتداد الأصيل لمدرسة أهل البيت (ع) في زمن اشتدت فيه قبضة السلطة، وتحوّلت فيه الخلافة إلى غنيمة تُدار بالقوة، وعلى الرغم من الحصار السياسي والتضييق الأمني، استطاع الإمام الكاظم (ع) أن يحفظ للإمامة مكانتها الرسالية ويسير على منهج ابيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام على الرغم من اختلاف الظروف السياسية والاحداث التي واكبتهما، وأن يؤسس لحضورٍ فكري عميق في وعي الأمة وضميرها، مستنداً إلى الصبر الواعي والعلم والحكمة والبصيرة والارث العميق لإبائه عليهم السلام.

فلسفة الصبر عند الإمام موسى الكاظم (ع)

  لم يكن الصبر في مدرسة الإمام موسى بن جعفر (ع) حالةً سلبية، ولا انسحاباً من مواجهة الواقع، بل كان خياراً واعياً ومنهجاً استراتيجياً يستند إلى فهم عميق لطبيعة المرحلة وتعقيدات الصراع، إذ عايش الإمام الصبر بوصفه موقفاً أخلاقياً واجتماعياً وسياسياً في آنٍ واحد، محافظاً من خلاله على جوهر الرسالة المحمدية، وتميّز صبر الإمام الكاظم (ع) ببعده الأخلاقي؛ إذ لم يكن موجهاً لحماية الذات، بل لصون القيم العليا للإسلام ، فقد واجه غياهب السجن، والمراقبة، والتضييق، والتهميش دون أن يسمح لدفة الحكم أن تستدرجه، وهكذا تحوّل الصبر إلى خطاب عملي يفضح عنف السلطة بعقلانية وحكمة، فكان حضوره الروحي والفكري أكبر من كل القيود التي فُرضت عليه، وأعمق أثراً من كل أدوات القمع التي واجهته، ليبقى اسمه إلى اليوم عنواناً للقيادة التي صانت مبادئ الدين، وحفظت كرامة الإنسان، واعادت تعريف القوة بوصفها التزاماً بالعدل لا تسلطاً على الناس، وبين هذا وذاك كان عليه السلام مدركاً ان ضريبة المقاومة الفكرية ستكون حياته الشريفة.

     لقد كان الإمام الكاظم (ع) أنموذجاً متكاملاً في العلم والعبادة، فلم يصل لمرتبة علمه احدا في زمانه وهو ماشهد به جميع من عاصروه، وقد روى عنه العلماء في مختلف فنون العلم والكلام والاخلاق ما لا يمكن حصره، وألفوا في ذلك المؤلفات الضخمة المروية عنه بالأسانيد الصحيحة المتصلة، وكان عليه السلام تجسيداً نادراً للصبر والثبات والشجاعة، فهو باب الحوائج إلى الله، وكاظم الغيظ، والصابر على البلاء، امتدت إمامته عليه السلام خمساً وثلاثين سنة، عاصر خلالها خمسة من خلفاء بني العباس هم: العباس، والمنصور، والمهدي، والهادي، ثم هارون الرشيد، وقد كان خلفاء بني العباس ينظرون بقلق بالغ إلى الحضور العميق لأهل البيت (ع) في نفوس المسلمين، ذلك الحضور الذي جعل بعضهم يقول لهارون الرشيد تحريضاً: ما ظننت أن في الأرض خليفتين حتى رأيت موسى بن جعفر، وإن الأموال تُحمل إليه من المشرق والمغرب، في إشارة إلى الحقوق الشرعية، لقد كانوا خلفاء العقول والقلوب، وإن لم يكونوا خلفاء السلطان.

الامتداد الرسالي

  تمثل سيرة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) واحدة من أعمق التجارب الإنسانية والرسالية في تاريخ الإسلام والانسانية عموماً، لما انطوت عليه من توازن دقيق بين الرسالة الروحية، والمسؤولية الاجتماعية، والموقف السياسي الواعي في زمن اختلت فيه الموازين الشرعية، ولم تكن حياة الإمام (ع) مجرد تسلسلٍ زمني للأحداث، بل كانت مساراً متكاملاً من المواقف التي صنعت مدرسة أخلاقية وفكرية ما زالت آثارها حاضرة في وعي الأمة، وهكذا برز الإمام الكاظم (ع) مرجعاً علمياً وروحياً في عصره، على الرغم من محاولات التهميش والإقصاء، فقد كان موضع ثقة الناس في شؤون الدين والمعرفة، يُرجع إليه المختلفون، ويقصده طلاب العلم من كل الانحاء، لما عُرف عنه من سداد الرأي، وعمق الفهم، وقوة الحجة، ولم يكن علمه منفصلاً عن الواقع، بل موجهاً لإصلاح الإنسان وبناء الوعي، وتحقيق الانسجام بين العقيدة والسلوك، الامر الذي جعل اغلب اصحاب المذاهب تأخذ منه وتعتمد عليه.

العبادة كمنهج حياة

تميّز الإمام الكاظم (ع) بعبادته الخاشعة، وزهده الصادق، وانقطاعه الروحي العميق الذي لم يمنعه من التفاعل مع قضايا الناس، فقد كان يرى في العبادة وسيلة لتزكية النفس، وفي الزهد تحرراً من هيمنة الدنيا، لقدّم نموذجاً متكاملاً للقيادة الروحية التي تجمع بين عمق الروح ومسؤولية الواقع، ولم يكن زهده (عليه السلام) رفضاً للحياة، بل تحريراً للروح من التعلق بالدنيا ولذائذها، ليكون الإنسان حراً في أداء رسالته يرتقي الى مراتب عليا، فقد عاش عليه السلام حياة بسيطة، متواضعا في مظهره، متفرغا للعبادة، متابعا لشؤون الناس بحكمة ورحمة، إذ لم يكن الزهد عنده منفصلاً عن العبادة والعمل، بل جزءاً من منظومة روحية أخلاقية متكاملة، تصون الرسالة وتكرس الوعي بالمبادئ.

شهادة الإمام الكاظم عليه السلام

    كانت شهادة الإمام الكاظم (عليه السلام) تتويجاً لمسيرة طويلة من الصبر والمعاناة والمواقف المبدئية في مواجهة الظلم، فقد عاش حياته تحت وطأة الملاحقة والسجن والتضييق، تم اعتقاله وهو قائمٌ بالصلاة في المسجد النبوي، وذلك في العشرين من شهر شوال سنة 179هـ، وكان هذا الاعتقال هو الأول في حياته، وقد حرصت السلطة العباسية على تفادي أي اضطرابات شعبية محتملة، فأرسلت موكبين وهميين: أحدهما متجه إلى البصرة والآخر إلى الكوفة، بقصد تضليل الرأي العام بشأن وجهة نقل الإمام الكاظم (ع)، كما أمر هارون الرشيد بنقله ليلاً وبصورة سرية إلى البصرة، وأُودِع الإمام الكاظم (ع) في قصر عيسى بن أبي جعفر العباسي تحت الإقامة الجبرية، وعيسى بن جعفر هو ابن جعفر بن أبي جعفر المنصور، وأخو زبيدة زوجة هارون الرشيد، وكان من وجوه بني هاشم وساداتهم، ويبدو أن الشخصية الكاريزمية للإمام الكاظم (ع) كان لها تأثير بالغ في عيسى بن أبي جعفر ، الأمر الذي أتاح لاتباعه الوصول إليه سراً والأخذ عنه ، وقد أثارت هذه الأخبار مخاوف  هارون الرشيد، فكتب إلى عيسى يأمره باغتيال الإمام، إلا أن عيسى امتنع عن تنفيذ الأمر، وكتب إلى الرشيد موضحاً أنه لم يرَ من الإمام إلا الصلاح، وطالب بإعفائه من هذه المهمة، بل هدده بإطلاق سراحه إن لم يُرسل من يتسلمه منه، وعلى إثر ذلك، أمر هارون الرشيد بنقل الإمام الكاظم (ع) إلى بغداد، بعد أن قضى قرابة عام في البصرة، وعند وصوله، لم يُحبس مع عامة السجناء، وإنما وُضع في بيت الفضل بن الربيع، وهو حاجب هارون الرشيد ومن كبار رجالات الدولة العباسية، وكان يتمتع بنفوذ واسع في البلاط العباسي، ويُرجَّح أن سبب ذلك هو خشية الرشيد من التأثير الروحي والاجتماعي للإمام الكاظم (ع) على عامة الناس، ثم صدر أمر بإطلاق سراحه، غير أن الإمام لم يغادر بغداد، ويذهب عدد من المؤرخين إلى أنه بقي تحت الإقامة الجبرية، وكان خلال هذه المدة يلتقي بهارون الرشيد وتدور بينهما مناقشات دينية متكررة، ولما فشل الرشيد في استمالة الإمام الكاظم (ع) وإقناعه بإضفاء الشرعية على حكمه، عاد إلى اعتقاله مرة أخرى، وأمر بحبسه في قصر الفضل بن يحيى البرمكي، وزيره وحامل خاتم الخلافة، إلا أن الفضل بن يحيى تعامل مع الإمام بلين واحترام، وامتنع عن التضييق عليه، على الرغم من صدور أوامر باغتياله، فكان يماطل في تنفيذها، وعندما بلغت أخبار هذه المعاملة هارون الرشيد، وكان مقيماً في الرقة آنذاك، أمر بنقل الإمام الكاظم (ع) إلى سجن السندي بن شاهك، وكان السندي بن شاهك مدير شرطة هارون الرشيد، واشتهر بالقسوة والغلظة في تنفيذ أوامر الخليفة، حتى على أقرب المقربين إليه، وتعرّض  الإمام لأشد صنوف التضييق والإرهاق، وفي هذا السجن، توفي الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) مسموما سنة 183هـ..

انتهت حياة الإمام الكاظم (ع) في سجون الظلم، لكن أثره لم ينتهِ باستشهاده، فقد تحولت سيرته إلى مدرسة في الصبر والوعي والموقف، وبقيت ذكراه حية في وجدان الأمة، تُلهم الأحرار، وتؤكد أن الرسالة لا تُقاس بطول العمر، بل بعمق الأثر وصدق الانتماء إلى الحق، وهكذا بقي الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) رمزاً للموقف المبدئي الصلب، وصوتاً للحق في وجه الاستبداد، ومدرسةً خالدة في الصبر والوعي والرفض الواعي للظلم، توفّي الإمام (ع) عن عمرٍ ناهز خمسةً وخمسين عاماً، قضى منها عشرين عاماً في كنف والده الإمام جعفر الصادق (ع)، وخمسةً وثلاثين عاماً بعد وفاته، وهي المدة التي تولّى فيها مهام الإمامة.فسلام على سليل النبوة الإمام الكاظم الصابر يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً ، السلام على المعذب في قعر السجون وظلم المطامير، السلام على ذي الساق المرضوض بحلق القيود، السلام على الجسد النحيف، السلام عليك يا باب الحوائج ورحمة الله وبركاته.


مشاهدات 93
الكاتب حسين الزيادي
أضيف 2026/01/12 - 2:58 PM
آخر تحديث 2026/01/13 - 1:40 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 457 الشهر 9505 الكلي 13116928
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير