الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أربيل .. فلسفة البقاء على خط النار

بواسطة azzaman

أربيل .. فلسفة البقاء على خط النار

عطا شميراني

 

تعود أربيل إلى واجهة الأحداث كلما تصاعد التوتر في الإقليم، فتتحول من مدينة تنعم باستقرار نسبي إلى عنوانٍ دائم في نشرات الأخبار المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ورغم غياب وجود عسكري أمريكي مباشر داخل المدينة في فترات عديدة، فإن الاستهداف يتكرر، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا تُقصف أربيل، وماذا يُراد من وراء ذلك؟

لفهم المشهد، لا بد من النظر إلى موقع الإقليم ضمن المعادلة العراقية الأوسع. فإقليم كردستان يتمتع بوضع دستوري خاص داخل العراق، مع مؤسساته الأمنية والسياسية المستقلة نسبياً. هذا الواقع منح أربيل هامشاً للحركة الدبلوماسية والاقتصادية، وجعلها بوابة استثمار وانفتاح في بيئة عراقية معقدة. غير أن هذا الهامش ذاته وضعها في قلب توازنات دقيقة، حيث يتقاطع المحلي بالإقليمي، وتتشابك الحسابات الداخلية مع رهانات الخارج.

تاريخياً، أقامت حكومة الإقليم علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، خصوصاً بعد عام 2003، ثم تعزز التعاون خلال الحرب على تنظيم داعش. هذه العلاقة منحت أربيل دعماً سياسياً وأمنياً، لكنها في الوقت نفسه كرّست صورة المدينة كشريك استراتيجي لواشنطن في المنطقة. ومن هنا، باتت أربيل في نظر بعض القوى الإقليمية جزءاً من خريطة النفوذ الأمريكي، حتى في غياب جندي أمريكي واحد على أرضها.

في سياق الصراع غير المباشر بين واشنطن وإيران، تتحول الساحات الوسيطة إلى منصات لتبادل الرسائل. العراق عموماً، وأربيل خصوصاً، يشكلان إحدى أبرز هذه الساحات. فعندما يتصاعد التوتر في ملفات إقليمية أوسع، تنعكس تداعياته سريعاً على الداخل العراقي. الضربة المحدودة قد لا تهدف إلى إيقاع خسائر بشرية كبيرة بقدر ما تسعى إلى تثبيت معادلة ردع أو توجيه إنذار سياسي محسوب.

صلاحيات دستورية

غير أن البعد الإقليمي ليس وحده الحاضر في المعادلة. فالعلاقة بين بغداد وأربيل شهدت خلال السنوات الماضية توترات متكررة حول ملفات النفط، والموازنة الاتحادية، والصلاحيات الدستورية. هذه الخلافات، وإن كانت تُدار غالباً عبر قنوات التفاوض، إلا أنها تُبقي المشهد مفتوحاً على احتمالات الضغط غير المباشر. وفي بيئة تتعدد فيها مراكز القوة، يصبح الأمن جزءاً من لعبة التوازنات السياسية.

من جهة أخرى، تسعى حكومة الإقليم إلى الحفاظ على صورة أربيل كمدينة آمنة ومستقرة، قادرة على جذب الاستثمارات واستضافة الفعاليات السياسية والاقتصادية. هذه الصورة تمثل أحد أهم مكاسب الإقليم خلال العقدين الماضيين. ولذلك، فإن أي استهداف أمني، حتى وإن كان محدود التأثير، يحمل بعداً رمزياً يمس هذه السمعة. فالرسالة لا تتعلق بالميدان فحسب، بل بالانطباع العام داخلياً وخارجياً.

كما يعكس تكرار الاستهداف هشاشة التوازن الإقليمي القائم. فالمنطقة تعيش حالة استقطاب مزمن، تتداخل فيها ملفات الطاقة، والعقوبات، والتحالفات العسكرية، والصراعات غير المباشرة. وفي مثل هذا السياق، لا تحتاج شرارة كبيرة لتحويل مدينة مستقرة نسبياً إلى نقطة توتر مؤقتة. أربيل، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، تجد نفسها أحياناً في قلب هذه المعادلة، لا بوصفها طرفاً في الصراع، بل ساحةً تتقاطع فوقها خطوطه.

ومع ذلك، لم ينهَر استقرار الإقليم رغم التحديات. فقد أثبتت مؤسساته الأمنية قدرة على احتواء الأزمات، كما شهد التنسيق مع بغداد في ملفات الأمن مراحل من التحسن. إلا أن الاستقرار في بيئة إقليمية مضطربة يظل استقراراً نسبياً، يحتاج إلى تفاهمات تتجاوز حدود الإقليم وتمتد إلى عمق التوازنات الإقليمية.

في المحصلة، لا يمكن قراءة استهداف أربيل بمعزل عن شبكة العلاقات والتحالفات التي تحيط بها. المدينة ليست هدفاً لذاتها بقدر ما هي عنوانٌ في صراع نفوذ أوسع. وبين رسائل الردع الإقليمية وحسابات الداخل العراقي، تبقى أربيل واقفة على خط تماس حساس، تمارس فلسفة البقاء في منطقة لم تعرف بعد استقراراً نهائياً.


مشاهدات 55
الكاتب عطا شميراني
أضيف 2026/03/02 - 3:35 PM
آخر تحديث 2026/03/03 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 82 الشهر 2385 الكلي 14956454
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير