القصيدة الشقشقية
وجيه عباس
سمَّيتُكَ المَحْوَ حَرّاناً وبي ظَمَأُ
وليسَ لي خَبَرٌ إذْ أنتَ مُبتَدَأ
بي من فراغِكَ ما أبقيتَ ممتَلِئاً
فراغَ قلبِ ام موسى حين يمتلىُ
إنا نزفناكَ نزفَ العينِ أدمعَها
والنازفون ظلالاً كلَّما امتلأوا
وليسَ يرفعُها من طينِهم أَحَدٌ
لولاك، لكنِّني من دونِهم حَمَأُ
هذا أنا، بعضُ هذي الريحِ رايتُهُ
ودونَها سَبَأٌ ظِلٌّ، ولي سَبَأُ
لا هدهدُ اليمنِ استنبا فأنبأني
ولا المقاصيرُ من «بلقيس» تختبىُ
لي من عباءتها بعضُ الذي سترتْ
لكنَّما أسلمتني دونها الفَلَأُ
لي ناقتي ورمالُ البيدِ راحلتي
وحسبُها أنَّ زادي دونها كَلَأُ
وتلك مائدتي الكبرى وجمجمتي
تلك المواعين إلا حينَ تنكفىُ
جئناك نحملُ في المنفى خطيئَتَنا
كأنَّنا خَطَأٌ يقتاتُهُ خَطَأُ
*****
ياناثراً فوق ظلِّي ملحَ أرغفتي
معناكَ كُلٌّ وأورادي بها جُزُءُ
إني التجأتُ إلى عينيكَ لا وَطَنٌ
لي، إنَّما وطني أكفانُهُ صَدَأُ
وقلتُ: يا وطني إنِّي....ويسمعُني
وموجعاتي لديه اللهوُ والهُزُءُ
لستُ اختصارَ حضاراتٍ ويقنعُني
أن الذي جئتُ... يشكوني فأنكفىُ
أعودُ فيهِ إليهِ والصدى لَمَمٌ
وكلُّ مافيه يُقصيني ويجترىءُ
وأنتَ يامُبصِراً أمطرتَ مقلتَهُ
كلَّ المرايا ولكنّي به عَمَأُ
امددْ أصابعَك الجَذّا نبايِعُها
فليسَ من نَبَأٍ فيها...ولا نَبَأُ
كأنَّنا قيدَ حتفينٍ، مروءتُنا
وقفٌ إذا قيلَ من جُرحٌ تكربلأوا
والكربلاءاتُ محرابٌ ومئذنةٌ
وحسبُنا أنَّنا من كربلا مَلَأُ
*****
وباسم ربِّكَ فلتقرأْ وحسبُ دمي
أنَّ التلاواتِ بعضٌ فيكَ ما قرأوا
وخلِّ حرفَكَ في ما بينها قُرُءاً
دون الثلاثين لن يعبا بها قُرُءُ
مابينَ عينيك هذا البحرُ زمجرةٌ
وبضعتاكَ بها الحمّالةُ الصَبَأُ
لم تكفِرنَّ بربٍّ مُوجِدٍ وعلى
كفّيكَ أزمنةٌ والمُنتهى حَدَأُ
أو عاصفاً بأساريرٍ مُنوَّعةٍ
قد كنتَ تُوقِظُهم لكنَّهم هَدَأوا
فرطَ المدائح ما ألووا لو أنَّهُمُ
قالوكَ...لكنَّهم جهلاً بها هَجَأوا
واستنفروكَ على شرٍّ ذؤابتُهُ
وقدٌ إذا أمطروهُ فيكَ ينطفىءُ
*****
يا مُتعَباً من هدوءِ القلبِ أحزَنَهُ
أنَّ الذينَ تنادوا كلُّهمْ صَمَأُ
وأنَّهم فرطَ ما في الغيب مُنقَلبٌ
أغروا بكَ الزُمَرَ العجفاء إذْ بَدَأوا
هم ينبحونَكَ لا عُجْبٌ فتنبحُهمْ
وَهُمْ بها النَفَرُ المهمولُ والسَوَأُ
ما كنتَ «فرعونَ»فيهم بل يداكَ عصا
«موسى» وأوجعَهم من صمتك الرُزُءُ
ما كان ذنبُكَ إلا الطهر حين علوا
وكنتَ جمرتَهم لما بها وَطََأوا
كذاكَ أنت فلا المحمودُ تُنكرُهُ
ولا البليّاتُ لا السوءاتُ لا الخَبَأُ
وتلك يمناك تغريهم سواسيةً
إن عضَّكَ النابُ واستضرى بهم عَوَأُ
*****
إصدَعْ بشقشقةٍ من فيض ماهَدَرَتْ
لَمّا تَقُرُّ ولمّا فيك تنقرىءُ
ماحاولتكَ ولكن كنتَها سبباً
لما تقولُ وحتى فيك تنحطىءُ
كُنْ يَمَّها بأراجيزٍ وماحملتْ
كأنَّهُ مُعسرٌ في مشيهِ يَطَأُ
إصدعْ بقارعةٍ تنثالُ من يدها
هذي الخطوبُ وحتى يفزعُ الملأُ
كنها النهايات يا من كنت أوَّلَها
ومن بَداؤُك فيها ثبتُه بَدَأُ
فِدى لما التمعت عيناك في زُمَرٍ
تقرَّبوا أم تجافوا دونها وَنَأوا
ألقت عزاليَّها الدنيا فما وجدتْ
في ناظريك لها نهبٌ ولا لَوَأُ
وكنتَ حاطبَ أدناها بزاهدةٍ
لم تلوِ فيها على أقتابِها النَوَأُ
ذَرْها كما هيَ أن الزادَ معرفةٌ
وأنت تُعرفُ فيما كنهُهُ خَبَأُ
كفاك من لغة فصحى ثمالتُها
وهل سواك بها لو أنَّهم ظَمِئوا
*****
سمَّيتُكَ الصبرَ فيما كابدتكَ بهِ
هذي الحياةُ وأظماها به السَقَأُ
وغربةُ النفس أولى لوتلمُّ بها
هذي القوافي إذا ما شئتها تَشَأُ
كنتَ استحالةَ أنَّ الظلَّ يتبعُهُ
لكنَّما ظل يمشي وهو يتَّكِيءُ
أنتَ المُحاصَرُ فيما أنت تسكنُهُ
وظلَّ عنهُ بعيداً وهو يختبىءُ
ألا يخون تعاويذاً وبسملةً
أبلى الثيابَ...وبينا كان يهترىءُ
أعطى لمقلتِهِ العمياءَ باصرةً
فكان يُبصرُ فيها وهوَ مُنطفىءُ
*****
كنتُ احتفالكَ ياوحدي ورُبَّتما
تَجمَّعَتْ فيك أشياءٌ فتجتَزِىءُ
وكُلُّ جزءٍ بما أبصرتَ ألفُ يدٍ
وأنتَ بين أيادي الغيرِ تمترىءُ!!
وكلُّ واحدةٍ فيها عوالمُها
كَأَنَّكَ القُطْبُ لو دارتْ ستلتجىءُ
وأنت وحدك فيها واقفٌ وعلى
كَتْفيكَ نَسْرٌ ومابين الخطى رَشَأُ
ياواحدي وألوفٌ في مفارقةٍ
لايعدلونك... لولا أنَّهم فجَأوا
هم يطرقونَكَ بابا كيفما اتفقتْ
لكنَّ رمحَكَ أغلى وجهَهُ النَبَأُ
وكنتَ وحدَكَ رمحاً نافراً وَفَماً
كلُّ الحروف وضوءٌ والدِما وضؤوا
صببتَ عمرَكَ ماكنتَ الضنينَ به
لكنَّهم بذليلِ الأعطياتِ رأوا!
عميانُ مائدةٍ لو أُنزلتْ هرعوا
فليس يمنعُهم خُسفٌ ولا دَنَأُ
وكيف؟ والشيبُ حنّى عارضيكَ به
وأنتَ فيهم على حنّائهِ حَلَأ
*****
ويامطارقَ وهمٍ في غيابته
لاتستريح وإن يعمى به الوَمَأُ
لايستفيقُ على إيان وجهتِهِ
وبعضُ مافيهِ أنَّ الحيَّ مُجتَزَأُ
وبعضُ مافيهِ أحلامٌ تُسيِّرُهُ
حسبي بخاتمةٍ أنّي بها أَشَأُ
بُقيا تعلّاتِ ما أبقتْ بصاحبِها
معنى البقاء إذا أصحابُهُ خَسِئوا
وياغريباً وأنْ قامت به قِيَمٌ
وياوحيداً وخُلّانُ الوفا برؤا
ويامعاقرَ كأسٍ من أُرومتِها
لوينكرون موازيناً بها رُزِؤا
أحنى هنالك كالعرجون لُمَّتَهُ
وعادَ يوقدها في بردهم دَفِيءُ
*****
عنهم تسائلني عيناك في حَنَقٍ
فرطَ التغابن عن ذكري وقد نَسَأوا
وأنَّهم فيكَ كالموتى قيامتُهم
وهل تجانبَ خطبٌ فيكَ وادَّرأوا؟!
ويْلُمُّها غُمَّةٌ سوداء عاقرةٌ
لايستبين بهم حمدٌ إذا شنأوا
الشاربون دمي حسواً بمذئبةٍ
والناهشون بلحمي كلَّما لجأوا
والحاملون صليبي دونهم خَرَساً
كحامل الماءِ يَضرى وهو ممتلىءُ
والنابحون قوافيِّ التي نطقتْ
ولايزيدون غيرَ النبحِ لو حَكَأوا
حسبي بهاتيك إبراقاً بقافيةٍ
لو أنَّها سطعت في شمسها انطفأوا
*****
من لي بليلي وأوجاعي تسامرُني
وهل لِمعناي فيما جئتُهُ الخَطَأُ
الشعرُ والحرفُ زادي في ظُلامتِهِ
ولا قضاءَ لما أورى بها الشَطَأُ
أسيانَ أورثُها العقبى وأحسبُها
قيدَ الأساة وما أبرى بها الأسَأُ
ولستُ أنكرُها لفظاً ومقلتُها
مما تفيضُ به عنوانُها البَكَأُ
يامُسْتَفزّاً له من وقدِهِ حِمَمٌ
كالسيلِ يغرقُه في موجِهِ الزَبَأُ
وحاضنٍ جمرةِ التأويل آيتُهُ
أنَّ الذين تناؤوا دونه صَبَأوا
وكفَّروهُ بوجهٍ كان يعرفُهُ
وآمنوا باستعاراتٍ...وما فَتؤوا