الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فلسفة الامتناع.. كيف تعلّم الإنسان الموازنة بين العمل والسلطة؟


فلسفة الامتناع.. كيف تعلّم الإنسان الموازنة بين العمل والسلطة؟

أسامة أبو شعير

 

في أزمنة معيّنة من العام، تتوقّف البشرية—بصيغ مختلفة—لتتأمّل معنى الامتناع. لا بوصفه حرمانًا، بل تدريبًا أخلاقيًا على ضبط القوة وإعادة التوازن. الصيام، في جوهره الإنساني العابر للأديان والحضارات، لم يكن يومًا طقسًا جسديًا فحسب، بل ممارسة رمزية عميقة لإعادة ترتيب العلاقة بين الرغبة والقدرة، وبين السلطة والمسؤولية، وبين ما يُبذل من جهد وما يُصان من كرامة.

من هذا المعنى، يمكن إعادة طرح سؤال يبدو تاريخيًا في ظاهره، لكنه معاصر في جوهره:

هل كان الامتناع الجماعي عن العمل، في أول تجلّياته، فعل تمرّد على السلطة؟ أم كان محاولة مبكرة لإعادة ضبط ميزانها حين يختل؟

غالبًا ما يُقدَّم الإضراب في الوعي الحديث بوصفه نتاجًا مباشرًا للحداثة الصناعية، مرتبطًا بالنقابات والدولة القومية واقتصاد المصنع. غير أن هذا التصوّر، على شيوعه، يحجب حقيقة أقدم وأعمق. فالامتناع الجماعي عن العمل، بوصفه وسيلة ضغط سلمية، لم يولد مع الآلة، بل مع لحظة إدراك الإنسان لقيمة جهده، ومع فهمه البسيط بأن السلطة—أيّ سلطة—لا تستمر إلا باستمرار العمل الذي يغذّيها.

قبل القوانين المكتوبة، وقبل المفاهيم الحديثة للحق والواجب، تشكّل هذا الوعي العملي البسيط:

حين يتوقف العمل، تُجبَر السلطة على الإصغاء.

لم يكن هذا الإدراك في جوهره تمرّدًا، بل تفاوضًا. ولم يكن سعيًا إلى هدم النظام، بل محاولة لإعادة توازنه حين تميل كفّته. ولهذا، فإن العودة إلى جذوره في الحضارات القديمة لا تكشف فقط عن بدايات الاحتجاج، بل عن نشوء مبكر لفكرة العدالة بوصفها شرطًا للاستقرار السياسي والاجتماعي.

في مصر القديمة، حيث تجسّدت السلطة في أعلى صورها الرمزية في شخص الفرعون الإله، تبدو فكرة الامتناع عن العمل غير متوقعة. ومع ذلك، فقد حدثت. ففي عهد رمسيس الثالث، وخلال فترة اتسمت بضغوط اقتصادية وتأخّر في حصص الغذاء، أقدم عمّال دير المدينة—وهي قرية الحرفيين في طيبة القديمة (الأقصر حاليًا)، المكلّفين بحفر وتزيين المقابر الملكية—على التوقف عن العمل.

لم يكن فعلهم عشوائيًا ولا عنيفًا، بل امتناعًا منظمًا، واعيًا، يستند إلى قناعة واضحة: لا يمكن أن يستمر الجهد بلا مقابل يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم. وتزداد أهمية هذه الحادثة لأنها موثّقة في برديات رسمية، أبرزها بردية تورينو (رقم 1880)، حيث نسمع صوت العمّال يقول بوضوح لا لبس فيه: «نحن جائعون».

هذه العبارة القصيرة تختصر فلسفة الامتناع بأكملها. لا أيديولوجيا، ولا شعارات، بل علاقة مباشرة بين الجهد والحق في الحياة. والأكثر دلالة أن الأزمة لم تُحسم بالقمع، بل بالتفاوض وتوفير المؤن. هنا اضطرت السلطة—رغم قدسيتها الرمزية—إلى الاعتراف بأن الهيبة وحدها لا تكفي، وأن العدالة المعيشية ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا للاستمرار.

هكذا وُلد الامتناع: جائعًا، صادقًا، بلا شعارات.

غير أن مصر لم تكن المسار الوحيد لهذا الوعي. ففي حضارات الرافدين، السومرية ثم البابلية، نجد نموذجًا أقل درامية، لكنه أكثر انتظامًا. لا تزخر النصوص المسمارية بسرديات عن توقف جماعي معلن عن العمل، لكنها تكشف عن شيء لا يقل أهمية: تنظيمًا دقيقًا للأجور، وحصص الغذاء، وأيام العمل، وشكاوى مسجّلة تتعلّق بالتوزيع والإنصاف.

هذا التدوين الكثيف لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إداريًا محايدًا فحسب، بل باعتباره تعبيرًا عن وعي سياسي مبكر بأن اختلال العلاقة بين الجهد والمقابل يحمل في طيّاته خطر الاضطراب. التنظيم هنا ليس رفاهًا، بل محاولة استباقية لمنع الانفجار قبل وقوعه.

وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في بابل مع شريعة حمورابي، حيث تتحوّل علاقة العمل إلى عقد قانوني واضح المعالم. فالأجر محدد، والمسؤوليات موزّعة، والعقوبة لا تطال العامل وحده، بل تمتد إلى صاحب العمل إن أخلّ بالتزاماته. هذا التقنين لم يكن بحثًا عن عدالة مثالية مجردة، بل عن استقرار يحمي المجتمع من لحظة الامتناع القسري. فالقانون هنا يعمل كآلية وقائية، تعترف ضمنيًا بأن الظلم المتراكم لا يمكن إدارته بالقوة إلى ما لا نهاية.

وعند جمع هذه النماذج الثلاثة، تتضح صورة تطورية لفهم الإنسان لعلاقة العمل بالسلطة. في مصر، ظهر الامتناع حين فشل النظام في الوفاء بالتزاماته. في سومر، ظهر التنظيم خوفًا من هذا الفشل. وفي بابل، ظهر التقنين استباقًا له. اختلاف المسارات لا يعني اختلاف الغاية؛ فجميعها تسعى إلى حفظ ميزان دقيق بين القدرة على الحكم وكرامة من يعملون.

ما الذي يمكن للقارئ المعاصر أن يستفيده من هذه الرحلة؟ أن العدالة في العمل ليست مطلبًا حديثًا، بل شرطًا حضاريًا قديمًا. وأن الامتناع السلمي—سواء كان فعلًا ظاهرًا أو احتمالًا كامنًا—ليس تهديدًا للنظام بقدر ما هو آلية أخلاقية لتصحيح اختلاله. وأن السلطة الأكثر حكمة ليست تلك التي تُسكت الأصوات، بل التي تُنصت قبل أن يُفرض الصمت.

وفي زمنٍ تُستعاد فيه فكرة الصيام بوصفها ممارسة إنسانية كونية، عرفتها ديانات وحضارات متعددة، يكتسب هذا الدرس التاريخي أفقه الكامل. فالصيام، في جوهره العابر للأديان، ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل تدريبًا على ضبط القوة وكبح فائض السيطرة، وإعادة الاعتبار لفكرة الميزان حين تميل الكفّة.

وليس من المصادفة أن يرتبط هذا المعنى في الوعي الإنساني بفكرة الميزان؛ ذلك الميزان الذي لا يختص بعالم الغيب وحده، بل يُستدعى ليحكم عالم الشهادة أيضًا:

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ (سورة الأنبياء: 47).

فإذا كان الميزان الإلهي وعدًا بالعدل المطلق، فإن الموازين الأرضية تظل اختبارًا دائمًا لمدى اقتراب البشر من هذا المعنى في تنظيم شؤونهم، وفي ضبط علاقتهم بالعمل والسلطة.

ومن دير المدينة إلى مدن الرافدين، لم يكن الامتناع عن العمل خروجًا على النظام بقدر ما كان استدعاءً للميزان حين يختل. ولم تكن العدالة مطلبًا طارئًا، بل شرطًا سابقًا للاستقرار. وحين تُهمل السلطة هذا الشرط، لا ينهار المجتمع لأن الناس طالبوا بحقوقهم، بل لأن الميزان كُسر قبل أن يُرفع الصوت.

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة الحديد: 25).

فالعدل، في هذا الأفق، ليس منّة من سلطة، ولا امتيازًا تمنحه الأنظمة، بل غاية أخلاقية تقوم بها المجتمعات… أو تفقد توازنها بفقدانها.

وهكذا، كما درّبت التجربة الإنسانية عبر التاريخ الإنسان على الامتناع ليضبط نفسه، يذكّرنا التاريخ الاجتماعي بأن العمل لا يُصان إلا بالعدل، وأن السلطة لا تدوم إلا بإنصاف من يحملون عبء استمرارها.

فاحترام العمل ليس منّة من السلطة، بل شرط بقائها واستمرارها.

إشارات مرجعية مختصرة:

برديات دير المدينة (بردية تورينو 1880)؛ شريعة حمورابي؛ السجلات المسمارية السومرية؛ دراسات حديثة حول العمل والاحتجاج في العالم القديم؛ أعمال ماريو ليفيراني ويان أسمان.

خبير اقتصادي ومستشار دولي في التعليم والتنمية


مشاهدات 70
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/02/27 - 9:35 PM
آخر تحديث 2026/02/28 - 1:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 85 الشهر 21438 الكلي 14953081
الوقت الآن
السبت 2026/2/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير