زواج الفصلية يغزو ليل البنفسج
نبراس المعموري
لطالما ارتبط عنوان ليل البنفسج في الذاكرة العراقية بصوت الفنان الراحل ياس خضر، الذي منح الأغنية بعداً وجدانياً خاصاً جعلها أكثر من عمل فني عابر. أغنية ليل البنفسج حملت في كلماتها أجواء الشوق والحنين، وتغنت بالحب بوصفه ملاذاً دافئاً في مواجهة قسوة الحياة. كان البنفسج فيها رمزاً للرقة والعاطفة، وكان الليل مساحة للتأمل والبوح، حتى غدت الأغنية جزءاً من ذاكرة جيل كامل، يستعيد عبرها لحظات الفرح والانكسار معاً.
غير أن هذا العنوان العاطفي عاد للظهور في سياق مختلف تماماً، من خلال مسلسل ليل البنفسج الذي عُرض في موسم رمضان، ليقدم معالجة درامية لقضية اجتماعية شائكة تتمثل في ما يعرف بـ“الفصلية”. وهنا ينتقل البنفسج من رمز للحب إلى مساحة تتقاطع فيها مشاعر العشق مع الدم والموت والتقاليد الصارمة.
ما هو مفهوم “الفصلية”؟
“الفصلية” أو “زواج الفصلية” هو تقليد عشائري يمارس في بعض البيئات القبلية ، ويقوم على تقديم فتاة من إحدى العشائر كجزء من تسوية نزاع دموي بين عشيرتين. وبدلاً من الاكتفاء بالتعويض المادي أو الاتفاقات القانونية، تدرج المرأة ضمن بنود الصلح، لتزف إلى الطرف الآخر كنوع من “الفصل” أو إنهاء الخصومة.
هذا المفهوم يثير جدلاً واسعاً؛ إذ ينظر إليه بوصفه شكلاً من أشكال الظلم الاجتماعي الواقع على المرأة، لما ينطوي عليه من سلب لإرادتها وتحويلها إلى وسيلة لحل نزاع لا علاقة لها به. وقد تعرضت هذه العادة لانتقادات حقوقية ومجتمعية عديدة من قبل المنظمات الحقوقية ونشطاء المجتمع المدني ، باعتبارها تتعارض مع مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية.
ثلاثية الدم والموت والحب
المسلسل الذي كتبه مصطفى الركابي وأخرجه علي فاضل قدم هذه القضية ضمن حبكة درامية تقوم على ثلاثية: الدم، الموت، والحب. بطلة العمل الفنانة رشا رعد هي شابة تجد نفسها ضحية لقرار عشائري يضعها في قلب صراع لا ذنب لها فيه، لكنها تتحول مع تطور الأحداث إلى صوت إنساني يحاول كسر دائرة العنف.
ورغم قسوة الطرح، لم يكن الهدف تكريس الواقع بقدر ما كان مساءلته. فقد حاول العمل أن يبين أن استمرار منطق الثأر لا يولد إلا مزيداً من الألم، وأن الحوار والعقل يمكن أن يكونا بديلاً عن الدم. وهنا يتقاطع المسلسل مع روح الأغنية الأصلية: فكما كان البنفسج رمزاً للحب، يصبح الحب في الدراما أداة لمواجهة العنف.
و على الرغم من التحفظ الكبير على مفهوم “الفصلية” بوصفه ممارسة تنتقص من حقوق المرأة، فإن المعالجة الدرامية سعت إلى تحويل مسار الحكاية من الاستسلام للتقاليد إلى نقدها. الرسالة الجوهرية التي يطرحها العمل مفادها أن أكثر الرجال قسوة قد يلينون أمام قوة المشاعر، وأن الحب يمكن أن يكون مدخلاً لإيقاف نزيف الدم وفتح صفحة جديدة.
لقد تحول “ليل البنفسج” من أنشودة وجدانية يرددها العشاق إلى صرخة درامية في وجه العنف المجتمعي. وبين الأغنية والمسلسل خيط رفيع يجمعهما: البحث عن إنسانية أعمق وسط ظلام الليل، وإيمان بأن رائحة البنفسج مهما اختلطت برائحة البارود قادرة في النهاية على أن تنتصر.
مبارك هذا التألق والإبداع، زميلنا المبدع علي فاضل، وهنيئاً لثنائي البنفسج المتألق مصطفى الربيعي ورشا رعد على هذا الحضور المميز الذي أضفى على العمل روحاً نابضة بالجمال والإحساس.