الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السينما العراقية..  بين ذاكرة الدولة وأحلام الجيل الجديد

بواسطة azzaman

السينما العراقية..  بين ذاكرة الدولة وأحلام الجيل الجديد

علي سبعاوي

 

تقف السينما العراقية اليوم عند لحظة مراجعة حقيقية، لحظة لا تشبه البدايات ولا تشبه الانكسارات السابقة، بل تجمعهما معاً. فمن يتأمل تاريخ هذا الفن في العراق يدرك أنه لم يكن يوماً مجرد ترف ثقافي، بل كان انعكاساً مباشراً لتحولات الدولة والمجتمع، من زمن الانفتاح النسبي إلى عصور الأدلجة الصارمة، وصولاً إلى مرحلة ما بعد 2003 بكل ما حملته من فوضى وأحلام مؤجلة.البدايات في أربعينيات القرن الماضي لم تكن عفوية، بل جاءت في سياق نهضة ثقافية أوسع. حين أُنتج فيلم ليلى في بغداد  بالتعاون مع السينما المصرية، وكذلك فيلم القاهرة بغداد، لم تكن الفكرة مجرد صناعة فيلم، بل كانت محاولة لوضع العراق على خريطة الإنتاج العربي. يومها كانت القاهرة مركز الثقل الفني، والعراق يبحث عن صوته الخاص، فكانت الشراكة بوابة عبور أولى نحو هوية سينمائية ناشئة.في خمسينيات القرن الماضي، بدأت ملامح سينما أكثر محلية تتشكل. أفلام مثل سعيد أفندي للمخرج كاميران حسني، والمستند إلى قصة للأديب إدمون صبري، قدمت صورة قريبة من المجتمع البغدادي وتحولاته الطبقية. كما برز اسم عبد الجبار توفيق في محاولات ترسيخ خطاب اجتماعي نقدي. كانت تلك الأفلام بسيطة تقنياً، لكنها صادقة في مقاربتها للواقع، وهو ما منحها قيمة تتجاوز حدود الزمن.

لكن مع صعود  حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة، تغيّرت المعادلة. تأسست  المؤسسة العامة للسينما والمسرح لتكون الذراع الرسمية للإنتاج. من جهة، وفّرت الدولة تمويلاً واستوديوهات وبنية إنتاجية لم تكن متاحة سابقاً، ومن جهة أخرى، أحكمت الرقابة قبضتها على النصوص والموضوعات. السينما تحولت تدريجياً إلى أداة خطاب سياسي، خصوصاً في السبعينيات والثمانينيات، حيث طغت موضوعات الحرب والبطولة الرسمية.

ومع ذلك، لم تغب الأصوات المختلفة تماماً. المخرج  قاسم حول ، في فيلمه بيوت في ذلك الزقاق ، قدّم معالجة إنسانية واجتماعية بعيدة نسبياً عن المباشرة السياسية. كانت تلك المحاولات بمثابة تنفّس داخل غرفة مغلقة، تثبت أن الفن حتى في أشد لحظات التضييق يجد ثغرة للقول المختلف.

مرحلة جديدة

بعد 2003، دخلت السينما العراقية مرحلة جديدة: لا رقابة مركزية صارمة، لكن لا دولة راعية أيضاً. الفوضى الأمنية والانهيار المؤسسي دمّرا البنية التحتية، غير أن هذا الفراغ ذاته أفسح المجال أمام جيل جديد من السينمائيين. المخرج  محمد الدراجي أعاد اسم العراق إلى المهرجانات الدولية من خلال فيلم أحلام ثم ابن بابل، اللذين تناولا آثار الحروب والاختفاءات القسرية بجرأة غير مسبوقة. هذه الأعمال لم تحقق انتشاراً تجارياً واسعاً داخل البلاد، لكنها صنعت سمعة فنية خارجية، وأثبتت أن السينما العراقية قادرة على مخاطبة العالم بلغة إنسانية.

الأمر ذاته يمكن ملاحظته في أفلام الشتات والذاكرة، مثل **أوديسا عراقية** للمخرج سمير جمال الدين ، والرحيل من بغدادلـ **قتيبة الجنابي، حيث تحوّل المنفى إلى موضوع سينمائي بحد ذاته. هنا لم تعد بغداد مجرد مكان، بل صارت فكرة تُستعاد عبر الذاكرة والصورة.المفارقة أن التحدي اليوم لم يعد سياسياً فقط، بل اقتصادياً وبنيوياً. التمويل محدود، صالات العرض قليلة، والمهرجانات المحلية تعاني من الانقطاع أو ضعف الدعم. في المقابل، أتاحت التكنولوجيا الرقمية أدوات أقل كلفة، ما سمح لشباب لا يملكون ميزانيات ضخمة بإنتاج أفلام قصيرة ووثائقية تعبّر عن همومهم المباشرة: البطالة، الهجرة، العنف، والهوية.السؤال الذي يفرض نفسه: هل تحتاج السينما العراقية إلى عودة الدولة كراعٍ أساسي، أم إلى سوق خاصة حقيقية؟ التجارب العالمية تشير إلى أن التوازن هو الحل. لا يمكن ترك الفن رهينة السوق وحده، ولا مصادرته باسم الأيديولوجيا. المطلوب بنية دعم شفافة، وصناديق تمويل مستقلة، وتعاون أوسع مع المهرجانات الدولية، كي لا تبقى الأفلام العراقية أسيرة العرض الخارجي فقط.

ذاكرة بصرية

السينما ليست كاميرا وعدسة فحسب. إنها ذاكرة بصرية لشعب مرّ بانقلابات وحروب وحصارات واحتلالات. وإذا كانت السياسة قد مزّقت السردية الوطنية مراراً، فإن الفن قادر على إعادة نسجها بخيوط إنسانية أعمق.

تقف السينما العراقية اليوم أمام فرصة نادرة: أن تتحرر من دورها كأداة دعاية، وأن تتجاوز دورها كصرخة ألم فقط، لتصبح مساحة تفكير جماعي في معنى الوطن. هذه ليست مهمة سهلة، لكنها ممكنة. فكلما ضاقت السياسة، اتسع الخيال. وكلما تعثرت الدولة، بقيت الصورة شاهدة.ولهذا، فإن الرهان الحقيقي ليس على فيلم واحد ناجح، بل على مشروع ثقافي طويل النفس، يعيد للسينما مكانتها كمرآة للعراق، لا تعكس جراحه فقط، بل أيضاً احتمالات شفائه.


مشاهدات 99
الكاتب علي سبعاوي
أضيف 2026/02/27 - 9:26 PM
آخر تحديث 2026/02/28 - 1:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 85 الشهر 21438 الكلي 14953081
الوقت الآن
السبت 2026/2/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير