الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مائدة نزهت العندليب النسائي.. رحلة صوت من إذاعة بغداد إلى ذاكرة الأجيال

بواسطة azzaman

مائدة نزهت العندليب النسائي.. رحلة صوت من إذاعة بغداد إلى ذاكرة الأجيال

 

بغداد - جواد الرميثي

في سجل الغناء العراقي أسماءٌ كثيرة تركت بصماتها على امتداد العقود ، لكن قلةً منها استطاعت أن تحجز مكاناً دائماً في ذاكرة الناس كما فعلت مائدة نزهت. فقد كان صوتها جزءاً من الحياة اليومية للعراقيين، يرافق أفراحهم وحنينهم ، ويعبر عن وجدانهم بلغة بسيطة وصادقة، حتى أصبحت واحدة من أبرز رموز الأغنية العراقية في القرن العشرين. لم تكن مائدة نزهت مجرد مطربة نجحت في أداء الأغنية الشعبية، بل كانت تجربة فنية متكاملة جمعت بين الأصالة والتجديد، وبين الغناء الريفي والبغدادي والمقام العراقي، لتصنع لنفسها مكانة خاصة في تاريخ الفن العراقي.

ولدت مائدة جاسم محمد العزاوي في جانب الكرخ من بغداد عام 1937، في أسرة كان والدها أحد ضباط الجيش العراقي. ومنذ طفولتها المبكرة بدت ملامح الموهبة واضحة عليها ، إذ كانت تحفظ أغنيات كبار المطربين العرب وترددها بشغف، متأثرة بأصوات أم كلثوم وفريد الأطرش وأسمهان وليلى مراد .وبعد أن أكملت حفظ القرآن الكريم وانتظمت في الدراسة، بدأت موهبتها الغنائية تفرض حضورها بين زميلاتها ومعلماتها، لتتجه خطواتها نحو الإذاعة العراقية وهي لم تزل في مقتبل العمر.

وفي عام 1950 تقدمت مائدة نزهت إلى اختبار الأصوات في إذاعة بغداد، ونجحت فيه لتبدأ رحلة فنية طويلة ستجعل منها إحدى أشهر مطربات العراق خلال سنواتها الأولى قدمت أغنيات لاقت استحسان المستمعين ، منها «توبة» و»گالوا حلو»، بألحان أحمد الخليل وناظم نعيم، قبل أن تتعاون مع نخبة من الملحنين العراقيين البارزين أمثال رضا علي وعباس جميل وعلاء كامل وزوجها وديع خنده. ومع كل أغنية جديدة كان اسمها يزداد حضوراً، فيما أخذ صوتها يترسخ في الذاكرة العراقية بوصفه صوتاً نسائياً يمتلك دفئاً خاصاً وقدرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية ببساطة وعذوبة.

وعندما انطلق تلفزيون بغداد عام 1956 كأول محطة تلفزيونية في العالم العربي، كانت نزهت من أوائل المطربات اللواتي ظهرن على شاشته، لتصبح وجهاً مألوفاً لدى الجمهور العراقي الذي كان يعيش آنذاك دهشة التعرف إلى هذا الوافد الإعلامي الجديد. وقد أسهم ظهورها التلفزيوني في توسيع دائرة انتشارها ، لتتحول من مطربة إذاعية معروفة إلى نجمة جماهيرية تحظى بمتابعة واسعة داخل العراق وخارجه.

وقدمت نزهت خلال مسيرتها عشرات الأغنيات التي تحولت إلى علامات بارزة في تاريخ الأغنية العراقية، من بينها «للناصرية»، و»توبة أكولن آه والتوبة»، و»گالوا حلو كل الناس تهواه»، و»حرام»، و»حمد يا حمود»، و»كلهم يكولون»، و»دور بينه يا عشك دويره»، و»سنبل الديرة»، و»كلما أمر على الدرب»، و»الأسمر»، و»تاليها وياك».

كما تعاونت مع عدد من أبرز الشعراء العراقيين، من بينهم حافظ جميل وحسن نعمة العبيدي وزهير الدجيلي وهلال عاصم وسعدي وحيد وخزعل مهدي، الذين وجدوا في صوتها مساحة رحبة لإيصال قصائدهم إلى الجمهور.

كانت تمتلك قدرة لافتة على التنقل بين الألوان الغنائية المختلفة ، الأمر الذي منح أعمالها تنوعاً وثراءً وجعلها قريبة من مختلف الشرائح الاجتماعية.

واحدة من المحطات المهمة في مسيرة مائدة نزهت . كانت اقترابها من عالم المقام العراقي ، ذلك الفن الذي ظل لفترات طويلة حكراً على الرجال .فقد شجعها كبار قراء المقام ، ومنهم رشيد القندرجي ومجيد رشيد ، على خوض هذه التجربة الصعبة ، بينما كان القارئ الراحل يوسف عمر يرى أن المرأة لا تستطيع أداء المقام بالشكل المطلوب .غير أن نزهت اختارت أن ترد على هذا الرأي بالغناء لا بالكلام ، فكانت تؤدي خلال حفلاتها الخارجية مقامات القطر والحويزاوي والشرقي رست والبهيرزاوي والمحمودي ، وسط إعجاب الجمهور وتصفيقه .

كما أدت العديد من البستات البغدادية الشهيرة ، ومنها «يا بو عباية الجاسبي» و»بمحاسنك وبهاك»، مؤكدة قدرتها على التعامل مع أصعب أشكال الغناء التراثي العراقي .

وارتبط اسم  نزهت بالملحن وديع خونده ، المعروف آنذاك باسم سمير بغدادي ، الذي قدم لها عدداً من الألحان الناجحة، منها «نسمات بلادي» و»عطر الفجر».وتحول هذا التعاون الفني إلى شراكة حياتية بالزواج ، قبل أن يسافرا معاً إلى الاتحاد السوفيتي ، حيث أعيد توزيع بعض أعمالها موسيقياً على أيدي موسيقيين روس وسجلت على أسطوانات ، في تجربة تعد من المحطات المهمة في مسيرتها الفنية .

ورغم شهرتها الواسعة، لم تتجه مائدة نزهت كثيراً إلى السينما ، واكتفت بالمشاركة في فيلم «درب الحب» عام 1966 ، لتبقى الأغنية مجالها الأوسع والأقرب إلى روحها الفنية .

وفي عام 2014 فوجئ الوسط الثقافي والفني العراقي بانتشار خبر وفاة نزهت ، بل إن وزارة الثقافة العراقية أعلنت نعيها رسمياً ، قبل أن يتبين لاحقاً أن الخبر غير صحيح .وظهرت الفنانة بنفسها لتؤكد أنها لا تزال على قيد الحياة وتقيم في الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتقالها إليها من القاهرة ، منهيةً بذلك واحدة من أغرب الشائعات التي شهدها الوسط الفني العراقي .

لكن الرحيل الحقيقي جاء بعد سنوات قليلة ، عندما أسلمت الفنانة الكبيرة الروح في العاصمة الأردنية عمّان يوم 19 أيلول 2018 عن عمر ناهز واحداً وثمانين عاماً.

وبرحيل نزهت فقدت الأغنية العراقية واحداً من أنقى أصواتها وأكثرها حضوراً وتأثيراً. غير أن الفنانين الكبار لا يغادرون تماماً، إذ تبقى أعمالهم شاهدة على زمنهم ومرافقة للأجيال اللاحقة.وما زالت أغنيات مائدة نزهت تتردد حتى اليوم في البيوت والمجالس والبرامج الإذاعية ، حاملة معها صورة بغداد الجميلة وروح العراق التي تغنت بها طوال حياتها ، لتظل واحدة من أبرز سيدات الغناء العراقي وأكثرهن رسوخاً في الذاكرة الثقافية الوطنية .


مشاهدات 57
أضيف 2026/06/15 - 11:54 PM
آخر تحديث 2026/06/16 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 97 الشهر 14879 الكلي 15890360
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير