الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مجزرة سبايكر.. جرح العراق النازف وشاهد العصر على الوحشية

بواسطة azzaman

مجزرة سبايكر.. جرح العراق النازف وشاهد العصر على الوحشية

مالك رحيم 

 

مقدمة: الفاجعة التي هزت الضمير الإنساني

ثمة أحداث في تاريخ الأمم والشعوب لا يمكن لغبار السنين أن يطمس معالمها، أو يمحو أثرها من الوجدان الجمعي. ومن بين أكثر هذه الأحداث قسوة وإيلاماً في تاريخ العراق الحديث، تأتي "مجزرة سبايكر" التي وقعت في حزيران من عام 2014. لم تكن هذه الفاجعة مجرد حدث عسكري عابر في سياق حرب العراق ضد الإرهاب، بل كانت جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، واختباراً قاسياً لضمير الإنسانية والمجتمع الدولي، وصدمة حفرت أخاديد عميقة في قلوب العراقيين.

السياق التاريخي والجغرافي للجريمة

في منتصف حزيران 2014، اجتاحت تنظيمات "داعش" الإرهابية مساحات شاسعة من شمال وغرب العراق مستغلةً ظروفاً سياسية وعسكرية معقدة. وفي قاعدة "تكريت الجوية" (المعروفة سابقاً بقاعدة سبايكر) في محافظة صلاح الدين، كان هناك آلاف من طلبة القوة الجوية والمتطوعين الشباب العُزّل الذين يتلقون تدريباتهم

 بعد ظروف صعبة وحرجة للغاية وجد هؤلاء الشباب انفسهم في أيدي عناصر التنظيم الإرهابي وبعض الحواضن المحلية المتعاونة معهم.

تفاصيل المجزرة: سريالية الموت المجاني

تجاوزت مجزرة سبايكر حدود التصور البشري في وحشيتها. فقد اقتيد أكثر من (1700) شاب وثقوا بوعود الأمان الكاذبة، ليرصوا في طوابير طويلة ويساقوا إلى حتفهم 

أظهرت المقاطع المرئية التي بثها التنظيم نفسه سادية غير مسبوقة؛ حيث نُفذت عمليات إعدام جماعية رمياً بالرصاص على ضفاف نهر دجلة حيث صبغت دماء الشهداء مياه النهر باللون الأحمر في مشهد جنائزي مهيب، وكذلك في القصور الرئاسية حيث حُفرت مقابر جماعية مستعجلة لدفن الشباب وهم في رمقهم الأخير.

لقد استندت الجريمة إلى تصنيف طائفي مقيت، مما يجعلها تصنف قانونياً وإنسانياً كجريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية استهدفت مكوناً بعينه من مكونات الشعب العراقي.

التداعيات والآثار: من الانكسار إلى الفتوى والتحرير

رغم عمق الجرح والذهول الذي أصاب الشارع العراقي، إلا أن مجزرة سبايكر كانت نقطة التحول الحاسمة في مسار الصراع ضد الإرهاب.

«إن دماء شهداء سبايكر لم تذهب سدى، بل كانت الوقود الذي أشعل روح المقاومة والصمود في جسد الأمة العراقية

 

فبعد أيام قليلة من الفاجعة، انطلقت فتوى "الجهاد الكفائي" المباركة من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، والتي هبّ على إثرها مئات الآلاف من العراقيين لتأسيس الحشد الشعبي ومساندة القوات الأمنية. تحولت دماء شهداء مجزرة سبايكر من رمز للانكسار إلى دافع معنوي هائل لتحرير الأرض، واستعادة المدن المغتصبة، ودحر التنظيم الإرهابي وتفكيك دولته المزعومة.

العدالة المغيبة والواجب الوطني والدولي

على مدى السنوات التي تلت المجزرة، نجحت السلطات العراقية في الكشف عن العديد من المقابر الجماعية وتحديد هويات الشهداء عبر فحص الحمض النووي (DNA)، كما تم إلقاء القبض على عدد من الجناة وتنفيذ أحكام الإعدام العادلة بحقهم.

ومع ذلك، تظل القضية بحاجة إلى جهود مستمرة على الصعيدين المحلي والدولي:

التوثيق الدولي: ضرورة استمرار الضغط لاعتبارها «إبادة جماعية» رسمياً في المحافل الدولية كاف 

رعاية ذوي الشهداء: إنصاف عوائل الشهداء مادياً ومعنوياً، وتخليد ذكراهم لتبقى حية في ذاكرة الأجيال.

البعد القانوني: ملاحقة كل من خطط، أو نفذ، أو تستر، أو حرض على هذه الجريمة، كائناً من كان ومقاضاته بلا هوادة.

خاتمة: درس التاريخ الذي لا يُنسى

إن مجزرة سبايكر ستبقى جرحاً نازفاً في الجسد العراقي، لكنها في الوقت ذاته تمثل شاهداً حياً على حجم التضحيات التي قدمها هذا الشعب في مواجهة قوى الظلام. إن الوفاء الحقيقي لشهداء تلك المجزرة (سبايكر) لا يقتصر على البكاء والاستذكار السنوي فحسب، بل يكمن في تحصين الوطن ضد الأفكار المتطرفة، وترسيخ قيم المواطنة والعدالة، وبناء دولة مؤسسات قوية وقادرة على حماية أبنائها، لكي لا تتكرر مأساة سبايكر مرة أخرى تحت أي مسمى أو شعار.

 

 


مشاهدات 91
الكاتب مالك رحيم 
أضيف 2026/06/16 - 1:29 AM
آخر تحديث 2026/06/16 - 4:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 224 الشهر 15006 الكلي 15890487
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير