بلتيقات
محمد زكي ابراهيم
من ميزات الشارع لدينا أنه بارع في التعامل مع الكثير من الظواهر، التي نشهدها اليوم، سياسية كانت أو اجتماعية، بقدر من الوعي وسعة الفهم، ميال للتعبير عنها بسلاسة ودقة، قادر على إعطائها ما تستحقه من توصيف، دون مواربة أو تجن.
وفي كل حقبة من الحقب يظهر للعيان مصطلح جديد، يعبر عن مرحلة زمنية مختلفة، أي أن تطور الحياة، وتعاقب الحوادث، يفرضان نمطاً جديداً من الرؤى، يظهر على شكل كلمات مولدة، لا أصل لها في العربية أحياناً، لكنها ذات وقع عميق ومدلول واسع.
إن كلمة مثل (بلتيقة) بفتح الباء واللام، من الكلمات الشائعة التي يستخدمها العراقيون عند الإشارة إلى الحيل أو الألاعيب أو المؤامرات، وهي تعريب عامي لكلمة politics الانكليزية، التي تعني (علم السياسة). وتستخدم دون أي حرج عند الحديث عن قضايا دولية أو محلية أو توافق أو غير ذلك من الأمور.
ولأن الانطباع السائد عن السياسة هو اللف والدوران، وليس الوضوح وتوخي الحقيقة، فالسياسي هو الذي يناور، ويتنازل، من أجل هدف أعظم، وحينما يتحقق هذا الهدف يكتشف الناس أن الثمن كان باهظاً، لكنه كان ذا أثر فعال في تجنب حرب، أو تحاشي نزاعات طويلة.
ويعيب الناس على السياسي الذي يتنازل للخصم، ويجامل في بعض الأحيان تفريطه بحقوق الوطن، مع أن مثل هذه الأمور ذات مردود كبير، فالدول التي تعتمد الوضوح والصراحة، ولا تداهن، أو تغض الطرف، ستضعف بمرور الوقت، ولا يمكنها تجنب المصير المحزن.
وهناك قدر من المرونة في جميع المواقف التي يواجهها المجتمع، والتي تحتمل الأخذ والرد بخلاف العقائد التي هي مصدر القوة لدى الشعوب وليست محل مساومة بالطبع، ولا يمكن أن تكون ضحية للبلتيقات!
إن أشد الحروب ضراوة على مر العصور تلك التي حدثت نتيجة التعنت والإصرار على الرأي، ولم يتدخل فيها العقل، أو تتوسط فيها الحكمة، فالحرب العالمية الأولى التي أزهقت فيها أرواح عشرات الملايين من البشر، وانهارت فيها دول وممالك، جاءت بسبب خلافات حادة بين الإمبراطور الألماني ويلهلم الثاني وابن خاله الملك جورج الخامس ملك بريطانيا، أي بين عائلتين متصاهرتين منذ زمن ليس باليسير، لكن الخلافات بين الرجلين كانت من السوء بحيث قادت إلى دمار مريع، ولو كان هناك تنازل من أي طرف، لتغير شكل العالم منذ تلك الحقبة، ولما وقع في أتون حرب طاحنة ضروس!
ولسنا في حاجة لأمثلة كثيرة من هذا النوع، فلدينا في العراق تاريخ طويل من السياسات الرعناء، التي لا تنحني عند العواصف، ولا تخضع وقت الأزمات، لكنها لا تمانع من الاستسلام بعد فوات الأوان، وكانت نتيجة ذلك الغرق في أتون حروب طويلة، تركت ندوباً غائرة في نفوس العراقيين لأكثر من جيل، ولم تؤت ثمرة، أو تؤد إلى حل، أي أنها لو لم تنشب، لكان ذلك أفضل بكثير.
وفي السياسة العراقية أمثلة واضحة على (البلتيقات) التي رفعت أناساً إلى القمة، ومنحت غيرهم الأهمية، دون وجه حق، وتساهلت مع أناس يحتاجون إلى العقاب، وعززت العلاقات مع دول، اتقاءً للشر، أو كفاً للأذى، وهكذا.
إن علينا أن لا نتضايق مما نصادفه في حياتنا من (بلتيقات) لأنها لازمة من لوازم السلام (الداخلي) أحياناً، وضرورة من ضرورات (السلم) العالمي أحياناً أخرى، رغم أنها تصيبنا بالخيبة، أو تبعث في نفوسنا الألم، وإذا ما لحق بالبلد جراءها شيء من الدعة، أو قدر من النفع، فعلينا أن نحمد الله ولا نشعر بالحيف، لأننا لا نعلم ما تخبئه لنا الأيام من حوادث ودروس، وعبر ومفاجئات!