الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تأخّر الحسم يثير تساؤلات عن تضارب المصالح وشبهات التخادم

← بواسطة azzaman

من المستفيد من غموض تصنيف الكرتون؟

تأخّر الحسم يثير تساؤلات عن تضارب المصالح وشبهات التخادم

جاسم نصيف الخفاجي

 

منذ بداية العام وحتى اليوم، ما زال الخلاف حول التصنيف الجمركي لبعض أنواع الكرتون ومدى شمولها برسوم حماية المنتج الوطني ينتظر الحسم. وبين الرمز المنسق والوصف الفني، يتحمل تجار وصناعيون تبعات مالية وتشغيلية، فيما تتزايد التساؤلات: لماذا يتأخر حسم مسألة يفترض أن تفصل فيها المواصفات والمستندات والفحوص الفنية؟ وهل هناك من يستفيد من استمرار هذا الالتباس؟ وهل تعود المشكلة إلى ضعف التنسيق والخبرة الفنية، أم تستدعي تدقيقاً في احتمالات تضارب المصالح والتخادم؟

هذه التساؤلات لا تعني إدانة مسبقة لأي جهة، لكنها تستحق إجابات واضحة، خصوصاً عندما يطول الخلاف وتستمر آثاره على قطاعات إنتاجية متعددة. فكل تأخير في تحديد التصنيف الصحيح ونطاق الحماية يترك المستورد والمصنع أمام التزامات يصعب تقديرها، ويضعف قدرتهما على التخطيط والتعاقد والإنتاج.

محدودية الاستخدام

ولا تتعلق القضية بسلعة محدودة الاستخدام؛ فالكرتون يدخل في تعبئة الأغذية وتغليف الأدوية، وصناعة أغلفة الكتب المدرسية والثقافية والعلمية وتجليدها، وإنتاج الصناديق والعبوات اللازمة لحفظ السلع ونقلها. ولذلك فإن الخلل في معاملته الكمركية يمتد إلى قطاعات واسعة، وقد يصل أثره إلى كلفة المنتج الذي يشتريه المواطن.

وجوهر الإشكالية أن كلمة «كرتون» تسمية عامة لمواد مختلفة في تركيبها وخصائصها ودرجة تصنيعها. فهناك كرتون مركب من طبقات مسطحة ملتصقة، وآخر مطلي أو معرّج، ومواد تستورد على شكل لفائف أو صفائح، وأخرى على هيئة علب وصناديق مصنّعة. ولا يجوز أن تحجب وحدة الاسم التجاري هذه الفروق الفنية.

فالرمز المنسق ليس رقماً منفصلاً عن حقيقة المادة، وإنما يرتبط بنص ووصف وملاحظات تحدد نطاقه. والتصنيف السليم يقتضي مطابقة الخصائص الفعلية للبضاعة مع متطلبات البند، وفق قواعد التفسير المعتمدة، والاستعانة بالأوصاف الفنية التي تبيّن طبيعة السلعة وخصائصها وطرق إنتاجها.

ويظهر هذا التمييز في الفصل الخاص بالورق والكرتون؛ إذ توجد بنود مختلفة للكرتون المركب من طبقات مسطحة ملتصقة ضمن شروط البند 4807، وللورق والكرتون المعرج في لفائف أو صفائح ضمن البند 4808، وللعلب والصناديق وعبوات التعبئة ضمن البند 4819. وبالتالي فإن تشابه المواد في الاسم أو في بعض الاستعمالات لا يكفي لمعاملتها بوصفها منتجاً واحداً. ومن الضروري هنا الفصل بين تحديد الرمز الصحيح للمادة وبين تقرير شمولها بالحماية. فالأول مسألة تصنيف تستند إلى خصائص البضاعة ونصوص البنود، والثاني يتطلب مطابقة المادة مع نطاق قرار الحماية وأوصاف المنتجات المشمولة به. وأي خلط بين المسألتين قد يؤدي إلى تحميل مدخلات إنتاج رسوماً مقررة لمنتجات تختلف عنها.

وتبرز المفارقة في صناعة الكرتون المعرج نفسها، التي تحتاج إلى مواد لتكوين الطبقة المموجة وأخرى لتكوين البطانات والطبقات المسطحة الملصقة بها. فدخول مادة في تصنيع الكرتون المعرج لا يجعلها، عند استيرادها بحالتها الأولية، كرتوناً معرجاً أو صندوقاً جاهزاً. ومن ثم فإن التوسع غير الدقيق في تطبيق الحماية قد يرفع كلفة المواد التي يحتاجها المصنع المحلي لإنتاج السلعة المراد حمايتها.

إن دعم المنتج الوطني هدف مشروع، لكنه يتطلب النظر إلى سلسلة الإنتاج بكاملها. فحماية مصنع في حلقة معينة لا ينبغي أن تتحول إلى عبء غير مبرر على مصانع الأغذية والأدوية والمطابع ومعامل التعبئة والتغليف. كما أن تقييم أثر الحماية ينبغي أن يشمل توافر البدائل المحلية ومواصفاتها وطاقتها الإنتاجية، وتأثير الرسوم في قدرة الصناعات المستفيدة على المنافسة.

تفسير معلن

وفي هذا السياق، يصبح استمرار الخلاف منذ بداية العام مسألة تستوجب تفسيراً معلناً. فإذا كان منشأ المشكلة فنياً، فما الذي أخّر الفحص والمطابقة؟ وإذا كان الخلاف بين الجهات المختصة، فلماذا لم يُحسم بمرجعية واضحة؟ ومن يتحمل تبعات بقاء الإرساليات والأعمال والعقود معلقة على تفسيرات غير مستقرة؟

إن وجود أطراف قد تنتفع اقتصادياً من استمرار وضع معين لا يثبت بحد ذاته وقوع مخالفة أو تخادم. لكن التحقق من احتمال تأثير هذه المصالح في القرار، أو في تأخير حسمه، يصبح ضرورياً لضمان النزاهة وحماية الثقة بالمؤسسات. أما ترك التساؤلات دون إجابة، مع استمرار الضرر، فيفتح الباب أمام الشبهات ويعمّق الشعور بغياب العدالة في التطبيق.

والمعالجة المطلوبة تبدأ بمراجعة فنية ورقابية مستقلة، تتولى تدقيق التصنيفات محل الخلاف، ومطابقتها مع المواصفات الفعلية ونطاق قرارات الحماية، والتحقق من أسباب التأخير، وأي تضارب مصالح محتمل. وينبغي إعلان نتائج هذه المراجعة، وتحديد المسؤولية عن أي تطبيق غير صحيح أو تأخير غير مبرر يثبت وقوعه، ومعالجة الأضرار وفق الأطر القانونية.

كما تقتضي المعالجة إصدار دليل فني موحد لأنواع الورق والكرتون، وتعميم التفسيرات المكتوبة والمسببة على المنافذ الجمركية، وإتاحة حسم التصنيف قبل الشحن، ووضع مدد واضحة للبت في الاعتراضات. فاستقرار القواعد يمكّن التاجر والصناعي من معرفة التزاماتهما مسبقاً، ويحد من تفاوت الاجتهادات.

إن حماية الصناعة الوطنية تبدأ بدقة القرار وعدالة تطبيقه وشفافية أسبابه. وما يحتاجه هذا الملف اليوم هو حسم فني معلن ومساءلة واضحة، تجيب عن السؤال الذي يزداد إلحاحاً كلما طال الانتظار: من المستفيد من استمرار الغموض، ولماذا يبقى التجار والصناعيون يدفعون ثمنه؟


مشاهدات 121
الكاتب جاسم نصيف الخفاجي
أضيف 2026/10/26 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/10/27 - 8:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 957 الشهر 54321 الكلي 16639490
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير