الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حق العراقيين في خطّة بديلة.. كم يوماً تستطيع الدولة أن تصمد ؟

← بواسطة azzaman

حق العراقيين في خطّة بديلة.. كم يوماً تستطيع الدولة أن تصمد ؟

كاظم نزار الركابي

 

حين ينتصف الليل في مستشفى، ويقف مهندس الصيانة أمام المولّد يحسب الوقود المتبقي، يغدو الوقت مسؤولية ثقيلة. خلفه ممر طويل تتعلّق فيه أرواح بانتظام الكهرباء، وأم تحدّق في الخطوط الخضراء على شاشة قرب سرير طفلها. يعرف المهندس حسابه: خزان يمنحه وقتًا محدودًا، وتخفيف الأحمال يشتري ساعات إضافية. كل ساعة يكسبها تصل إلى سرير. وكل تأخير في الوقود يصل إلى قلب.

خلف باب المستشفى يقف السؤال بحجم العراق: كم تملك الدولة من الوقت والبدائل حين ينقطع أحد شرايينها؟ كم يستمر العلاج، وضخ الماء، ووصول الغذاء، وصرف المستحقات؟ لكل خدمة حسابها، ولكل انقطاع ثمنه. ومن حق العراقي أن يعرف مقدار الحماية التي أعدّتها مؤسساته قبل أن يحتاج إليها.

الدولة مسؤولة عن تلك الساعات. وعن تحويلها من مهلة ينتظر الناس نهايتها إلى قدرة تتجدد.

نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” عن مصادر عراقية تقديرًا بأن ظروف البلاد غير مهيأة حاليًا لوضع خطط بديلة، مع الحديث عن جهود لتهدئة الفصائل وزيادة الصادرات النفطية بعيدًا عن هرمز. تقدير منسوب إلى مصادر، يستحق توضيحًا رسميًا عن مستوى الجاهزية وحدودها. ويبقى السؤال قائمًا: ماذا أعددنا لحياة الناس إذا أخفقت التهدئة؟

الدبلوماسية تعمل لدرء الحرب، وضبط السلاح يحدّ من احتمالات اتساعها، والاستعداد يحمي المجتمع من آثارها. ثلاث مسؤوليات تتقدم معًا. انتظار نتيجة الأولى قبل الشروع في الثالثة يستهلك الوقت الذي يحتاجه المستشفى ومحطة الماء ومخزن الدواء. وحين تصل الأزمة، يغدو كل يوم ضاع في الإعداد عبئًا على من يحاولون إنقاذ الحياة.

وفي 27 تشرين الأول، موعد نشر هذا المقال، يقترع الإسرائيليون لانتخاب الكنيست، وبعد أسبوع يقترع الأمريكيون في انتخابات التجديد النصفي. وكان ترامب قد أعلن، بحسب رويترز، أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات 3 تشرين الثاني. تتداخل حسابات الحرب مع صناديق اقتراع بعيدة لا صوت للعراقي فيها. أما استعداد مؤسساته لحمايته، فمسؤولية لا تنتظر نتائج تلك الصناديق.

تصدير النفط

تنتقل الصدمة بين وظائف الدولة بسرعة. اضطراب تصدير النفط يضغط على التمويل، وتعطّل الطاقة يربك الضخ والتبريد والعلاج، وانقطاع الاتصالات يمتحن خدمات المصارف، واضطراب النقل يؤخر الإمدادات. والخلل يدخل من باب واحد، ثم يجد أبوابًا أخرى مفتوحة أمامه.

وفي 24 تشرين الأول نقلت “الشرق الأوسط” عن مصادر عراقية اشتباهًا في استهداف إسرائيل مخازن سلاح لفصائل، مع بقاء المسؤولية عن الانفجارات قيد التحقيق. انتظار نتيجة التحقيق حق للحقيقة؛ وتعليق الاستعداد عليها يترك حياة الناس معلّقة معها.

ويزيد ضيق الهامش توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 16بالمئة في 2026، وفق تقديرات تشرين الأول. وحذّر الصندوق هذا الشهر من إطالة الحرب وتجدد اضطراب الطاقة بوصفهما من أبرز الأخطار على اقتصادات المنطقة. ومن قاعات الصندوق خرجت جملة تشبه حساب المهندس عند المولّد؛ إذ قال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إن هذه المصدّات “اشترت الوقت، لكنها محدودة”. وكلما طال الاضطراب، ضاق هامش التعويض؛ فالخدمة التي تتوقف اليوم تحتاج غدًا إلى موارد لاستعادتها، فيما تتزاحم المطالب على الموارد نفسها.

والتجربة قريبة. أُغلقت الأجواء العراقية في 28 شباط، وأُعلن استئناف حركة الطيران في 8 نيسان، بعد نحو أربعين يومًا من التعطل. أربعون يومًا تستحق مراجعة معلنة: ما الذي تعطّل؟ وأي بديل نجح؟ وأين تأخرت الاستجابة؟ وما الذي أُصلح؟

تكرار الأزمة بعد إهمال دروسها يحمّل المواطن كلفة الخطر وكلفة التقصير معًا.

تملك الدولة أدوات الجواب. ففي تشرين الأول أعلنت وزارة النفط مشروعات لإنشاء ستة عشر خزانًا للغاز السائل بسعة إجمالية تبلغ 48 ألف متر مكعب. خطوة تستحق المتابعة: متى تدخل الخدمة؟ وكم تغطي من الحاجة؟ وكيف يصل المخزون إلى الناس عند اضطراب النقل؟ بين سعة الخزان وقدرة الأسرة على الحصول على حاجتها سلسلة كاملة من المسؤوليات. وفي اكتمالها تُقاس الجاهزية.

اجابات مماثلة

ومن حق العراقي أن يسمع إجابات مماثلة عن الماء والدواء والكهرباء والمستحقات، بمعلومات محدّثة ومسؤوليات محددة. فالطمأنة تكتسب معناها حين يعرف الناس ما الذي يحميهم، ومن يتولى تشغيل البديل عند الحاجة إليه.

أما العراقي، فرتّب بدائله منذ زمن. خزان فوق السطح، واشتراك في مولّد، وبطارية، واحتياط غذائي تسمح به اليد. دفع ثمن الخدمة، ثم دفع ثمن احتمال انقطاعها. والأسرة التي يستهلك يومها كامل دخلها تدخل الأزمة بما بقي لديها.

هذه خصخصة الاستعداد: يتسع نصيب الفرد من عبء استمرار الحياة، وتتفاوت الحماية بحسب قدرته على شراء البديل. صاحب المال يضيف خزانًا وبطارية ومخزونًا، والفقير يحسب ما يمكنه الاستغناء عنه. وعند الطوارئ يصل الحساب إلى وجبة أو دواء أو رحلة علاج.

حين يُترك الاستعداد للجيب، يغدو الفقر عجزًا عن شراء الوقت.

ومهارة العراقي في تدبير أزماته تستحق الإسناد، وتستحق معها نهاية لاستنزافه. فالمريض يحتاج مستشفى جاهزًا مهما رتّبت أسرته احتياطاتها، والحي يحتاج محطة ماء تعمل مهما كثرت خزاناته. البدائل المنزلية تساعد الناس على الاحتمال، وتبقى المؤسسة العامة مسؤولة عن ضمان الخدمة وعدالة الوصول إليها.

وفي آذار 2025 أعلنت المفوضية الأوروبية ستراتيجية للتأهب تشمل استعداد الخدمات الأساسية، وتعزيز المخزونات، وتنسيق الاستجابة والتمارين. وتضمنت استعداد السكان بما يكفي 72 ساعة على الأقل؛ وهي مدة تخص احتياجات الأفراد الأولى، فيما تخضع المؤسسات لمعاييرها وترتيباتها.

الدرس للعراق واضح: تُوزَّع المسؤوليات قبل الطوارئ، وتُختبر البدائل قبل الحاجة إليها، وتُعالَج النواقص قبل أن تتحول إلى خسائر. اختلاف الإمكانات يحدد حجم الأدوات، ويضاعف أهمية حسن استخدامها.

ما أقترحه أسمّيه عقد الاستمرار: التزامًا معلنًا بحماية الوظائف الأساسية للحياة، يربط كل خدمة بقدرة معلومة، وبديل قابل للتشغيل، وجهة تتحمل المسؤولية.

كم يعمل المستشفى عند انقطاع الكهرباء؟ ومن يجدد وقوده ودواءه؟ كيف يصل الماء إذا تعطلت المضخات؟ كيف يحصل المواطن على مستحقاته عند تعطل وسائل الدفع المعتادة؟ ومن يقرر، ومن ينفّذ، ومن يبلغ الناس بالحقيقة؟

وظيفة الحكم

هذه أسئلة تقع في أصل وظيفة الحكم. والإجابة عنها تحتاج خطة لكل قطاع، وتمويلًا وصيانة وتدريبًا، وتمرينًا يجمع المؤسسات التي يتوقف عمل بعضها على بعض. مخزون الوقود يتوفر أحيانًا وتتعطل وسيلة نقله، والإمدادات تصل أحيانًا إلى جهة تعجز عن توزيعها. لذلك تُختبر سلسلة الخدمة كاملة، من مصدرها إلى الإنسان الذي يحتاج إليها.

والمسؤولية تتحدد بالأسماء والواجبات والمواعيد. تتابع الرقابة البرلمانية النواقص حتى معالجتها، وتُعلن نتائج التقييم بالمقدار الذي يخدم المجتمع، وتبقى التفاصيل الحساسة لدى الأجهزة المختصة والرقابة المخولة. حماية المعلومات حق للدولة، ومعرفة إجراءات الحماية حق للمواطن؛ ويمكن للمؤسسات الوفاء بالحقين.

وفي قلب الخطة تقف الأسرة الأشد حاجة. من يعجز عن التخزين، أو يعتمد علاجه على خدمة متصلة، يحتاج ترتيبًا يبلغه قبل تفاقم الخطر. والخطة التي تفترض قدرة الجميع على شراء البدائل تبدأ بإقصاء من هم أشد حاجة إليها.

أمام الحكومة عمل محدد: إعلان مستوى جاهزية الخدمات، وجدول لمعالجة النقص، ومواعيد لاختبار التقدم. عندئذ يعرف المواطن ما الذي أُنجز وما الذي ينتظر، ويملك البرلمان أساسًا للمساءلة، وتكتسب الطمأنة وزنًا من الوقائع.

أما تأجيل هذا العمل، فينقل القرار إلى لحظة الانقطاع؛ إلى موظف محاصر بنقص الإمكانات، وطبيب يوزع ما بقي، وأسرة تبحث وحدها عن باب مفتوح. هناك تُدفع كلفة الوقت الذي أُهدر بعيدًا عن أعين الناس.

في المستشفى، يواصل المهندس حساب الوقود. والأم تراقب الجهاز قرب طفلها. يحتاج كلاهما إلى أن يصل الإمداد قبل نفاد المهلة. ومن حقهما أن تكون خلف الباب مؤسسة تعرف ما تفعل، وتملك ما تنفّذ به.

حين ينفد الوقود، تنتهي مهلة المولّد. حياة المريض مسؤولية الدولة قبل تلك اللحظة.


مشاهدات 111
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/10/26 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/10/27 - 8:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 960 الشهر 54324 الكلي 16639493
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير