مداهمةٌ في الستين
عبدالكريم الحلو
(١)
حين يكونُ الحبُّ
مداهمةً في الستين
لا يطرقُ بابَ القلب
ولا يستأذنُ الروح
يقتحمُ ما ظننّاه
هادئًا ومستقرّاً
ويوقظُ فينا
ذلك الشابَّ
الذي أخفاهُ العمرُ
ولم يُمِتْه
يفاجئُنا
بنبضةٍ أولى
كأنَّ القلبَ
لم يعرفِ الحبَّ
من قبل
وعندها ندركُ
أنَّ العمرَ
ليس ما مضى من السنوات
بل ما يبدأ
من لحظةِ الحب
من جديد
(٢)
حين يكونُ الحبُّ
مداهمةً في الستين
يدخلُ فجأةً
ويبعثرُ سنواتٍ
ظننّاها استقرَّت
في خزائنِ العمر
يعيدُ للنبضِ طفولتَه
وللعيونِ دهشتَها الأولى
ويجعلُ رجلاً
لا يحفظُ أسماءَ الأدوية
ينسى اسمَه
حين تناديه
امرأةٌ جميلة
حين يكونُ الحبُّ
مداهمةً في الستين
لا يُغيِّرُ العمر
بل يُغيِّرُ تعريفَه
(٣)
أنا رجلٌ ستينيٌّ
وهي سيّدةٌ
في أواخرِ الخمسين
لكنَّ الزمنَ
كلَّما مرَّ بها
اعتذرَ من المرآة
لأنها تبدو أصغرَ
ولأنَّ العمرَ
أخطأ في عدِّ السنوات
ولأنَّ الحبَّ
كان يُعيدُ ترتيبَ الفصول
كلَّما ابتسمت
(٤)
لم نكنْ عاشقَيْنِ عاديَّيْن.
كنّا
خطأً جميلاً
في حسابِ الزمن
واستثناءً صغيرًا
تسرَّب من قوانينِ العمر
كنّا
مسحورَيْن
أو مجنونَيْن
لا فرق
فالعقلُ
لا يجرؤُ
على تفسيرِ معجزةٍ
تجعلُ الستين
تبدو
في العشرين
(٥)
حين كانَ العالمُ
يُحصي أعمارَنا بالسنين
كنَّا نُحصيها
بعددِ المرّاتِ
التي ارتجفَ فيها القلبُ
حين سمعَ اسمَ الآخر
جئتِ
ولم يكنِ الربيعُ
في موعدِه
فأزهرتْ في روحي
شجرةٌ
لم تعرفِ الفصولُ اسمَها
كنتُ أقولُ لنفسي:
إنَّ الخريفَ
آخرُ الحكايات
وأنتِ جعلتِه
أوّلَ الأغنيات
وكنتُ أظنُّ
أنَّ الشتاءَ
منفى الزهور
لكنَّكِ بسحركِ
أقنعتِ الياسمينَ
أن يُهاجرَ
إلى بلادِ الثلج
(٦)
أيُّ سحرٍ هذا
الذي كنّا نملكه؟
حتّى الزمنُ
كان يتراجعُ
كلّما اقتربنا من بعض
وحتّى العمرُ
كان يخجلُ
أن يعترفَ
أنَّه يمضي
نحنُ لم نُغيِّرِ الفصول
بل أثبتنا لها
أنَّ الحبَّ
أقوى
من قوانينِ الطبيعة
فصارَ الربيعُ
يستعيرُ ألوانَه
من عينيكِ
وصارَ الخريفُ
يتعلَّمُ كيفَ يُورقُ
من خُطاكِ
وصارَ الشتاءُ
يدفئُ أصابعَه
بكفَّيكِ
وصارَ الصيفُ
يغسلُ حرَّه
بدمعةِ شوقٍ
من عينيكِ
(٧)
أحببتُكِ
حتّى صرتُ
لا أعرفُ
هل أنا
أعيشُ داخلَ الزمن؟
أم أنَّ الزمنَ
هو الذي يعيشُ
داخلي؟
فإذا سألوكِ يومًا:
كيف يزهرُ الربيعُ
في عزِّ الشتاءِ؟
وكيف يتفتَّحُ الياسمينُ
في خريفِ الأعمار؟
وكيف تتحوَّلُ الدموعُ
إلى أنهارٍ من ضوء؟
ابتسمي فقط
وقولي لهم:
لم تكنِ الفصولُ
هي التي تغيَّرت
نحنُ الذين
حين أحببنا
تغيَّر الكون
أصبح الليلُ
أقلَّ ظلمةً
وصارتِ النجومُ
أقربَ إلى الأيدي
وتعلَّمَ الوقتُ
أن يقيسَ أعمارَ العاشقين
بدقّاتِ القلب
لا بعددِ السنين