أعيدوا الملاعب لوزارة الشباب قبل خسارة ما بنته الدولة
النجف - نجم عبد كريدي
لم يعد بالإمكان السكوت أو الاكتفاء بالمشاهدة أمام المشهد الذي ظهرت عليه بعض ملاعبنا الرياضية، وهي المنشآت التي يفترض أن تكون واجهة حضارية للرياضة العراقية، وشاهداً على ما أنفقته الدولة من أموال وجهود لبناء بنية تحتية رياضية تليق بالكرة العراقية وجماهيرها.
وما حدث مساء يوم الجمعة الماضي في ملعب النجف الدولي، الذي احتضن مباراة كربلاء والزوراء ضمن الجولة الثانية من دوري نجوم العراق، يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد حالة عابرة أو ملاحظة تخص مباراة واحدة، وإنما ينبغي أن يكون جرس إنذار حقيقياً يستوجب الوقوف عنده ومراجعة تجربة إدارة الملاعب برمتها.
فبعد نحو ثلاثة أشهر فقط من آخر مباراة احتضنها الملعب في الموسم الماضي، ظهر ملعب النجف الدولي بصورة مؤسفة لا تليق باسمه ولا بمكانته ولا بحجم الأموال التي أنفقت على إنشائه وتأهيله.
مخلفات وأزبال متناثرة حول مدرجات الجمهور، وفضلات الطيور التي وجدت في الملعب ومرافقه مكاناً مناسباً لبناء أعشاشها مــــــنذ سنوات ، فضلاً عن البقع الصفراء المنتشرة في أرضية الملعب وجنباته، ومظاهر أخرى تؤكد أن المنشأة لم تحظَ بالإدامة المطلوبة خلال الفترة الماضية.
وهنا يحق لنا أن نسأل بكل صراحة: أين الخلل؟ ومن المسؤول؟ وهل هذا هو المصير الذي نريده لمنشآتنا الرياضية؟
إن قضية ملعب النجف ليست الوحيدة، كما أن المشكلة لا تتعلق بنادٍ بعينه، وإنما هي قضية إدارة منشآت رياضية عملاقة تحتاج إلى إمكانات مالية وفنية وهندسية وكوادر متخصصة وبرامج صيانة مستمرة لا تتوقف بانتهاء المباريات.
أعيدوا الملاعب
ربما آن الأوان لاتخاذ قرار شجاع وواضح من قبل مجلس الوزراء، يتمثل في إعادة إدارة الملاعب الرياضية إلى وزارة الشباب والرياضة، كما كانت عند تأسيس هذه المنشآت.
فقرار تحويل إدارة وتشغيل الملاعب من الوزارة إلى الأندية الرياضية، والذي بدأ تطبيقه في أيلول 2024، كان الهدف منه دعم الأندية ومنحها فرصة استثمار هذه المنشآت وتوفير موارد مالية تساعدها على الاستمرار، مع إلزامها بالصيانة والإدامة.
لكن التجربة، وبعد مرور نحو عامين، تستحق أن تُقيّم بعيداً عن المجاملات.
فالواقع يقول إن بعض الأندية لم تكن تمتلك الإمكانات المالية والفنية والإدارية الكافية لإدارة منشآت بهذا الحجم، خصوصاً أن النادي الرياضي لديه التزامات عديدة، تبدأ من التعاقدات مع اللاعبين والأجهزة الفنية والإدارية، ولا تنتهي عند متطلبات المشاركة في دوري نجوم العراق.
أما الملعب، فهو كائن وكيان آخر يحتاج إلى منظومة متكاملة من العناية والصيانة والإدامة اليومية، سواء تعلق الأمر بالعشب، أو أنظمة الري والمرشات، أو الإنارة، أو المدرجات، أو المرافق الصحية، أو المقاعد، أو شبكات الكهرباء، أو المنشآت الخدمية، أو مكافحة الآفات والطيور، وغيرها من التفاصيل التي لا يمكن التعامل معها بعقلية الصيانة الطارئة.
الملعب ليس ملكاً للنادي وحده..
وهنا يجب أن نضع نقطة مهمة على الحروف.
هذه الملاعب ليست ممتلكات خاصة للأندية حتى تُدار وفق إمكاناتها المحدودة، وإنما هي منشآت عامة شُيدت بأموال الدولة، وبالتالي فإن الحفاظ عليها مسؤولية وطنية قبل أن تكون رياضية.
وعندما تتراجع حالة ملعب أنفقت عليه الدولة ملايين الدولارات، فإن الخسارة لا تقع على نادٍ أو وزارة فقط، بل تقع على المال العام وعلى الرياضة العراقية وعلى الأجيال المقبلة.
لقد كان الهدف من تسليم الملاعب للأندية توفير التمويل الذاتي وتحقيق الاستثمار وتخفيف العبء عن وزارة الشباب، لكن إذا كانت النتيجة هي تراجع مستوى الصيانة وتضرر أرضيات الملاعب والمنشآت والمرافق، فإن من واجب الجهات المعنية أن تعيد النظر في التجربة، لأن القرار الإداري ليس لا يمكن تصحيحه عندما يثبت الواقع أنه لم يحقق أهدافه.
لماذا لا نستفيد
وزارة الشباب والرياضة تمتلك كوادر وخبرات فنية وإدارية متخصصة في إدارة المنشآت الرياضية، وهي كوادر اكتسبت خبرة طويلة في التعامل مع الملاعب والمنشآت الكبرى.
ولذلك فإن إعادة الملاعب إلى الوزارة لا تعني إلغاء دور الأندية أو حرمانها من الاستثمار، بل يمكن بناء نموذج جديد أكثر توازناً:
الوزارة تتولى الإدارة الفنية والإدامة والصيانة والحفاظ على المنشأة، بينما تستفيد الأندية من الملعب في مبارياتها وتدريباتها واستثماراتها وفق عقود وضوابط واضحة.
بهذه الطريقة نضمن أمرين في آن واحد :
نحافظ على الملعب كمنشأة حكومية، ونمنح النادي فرصة الاستفادة منه واستثماره.
أما ترك منشأة عملاقة بالكامل لنادٍ يعاني أصلاً من أزمات مالية، ثم مطالبته بإدامتها والمحافظة على تفاصيلها الفنية الدقيقة، فهو أمر يحتاج إلى مراجعة واقعية لا إلى التمسك بقرار أثبتت التجربة أن فيه الكثير من الثغرات.
رسالة وليست المشكلة
ما ظهر عليه ملعب النجف الدولي يجب أن يكون رسالة إلى أصحاب القرار.
فالملعب الذي كان يفترض أن يكون واحداً من أجمل الملاعب العراقية، ويستقبل جماهير النجف وضيوفها في أجواء تليق بالكرة العراقية، لا يجوز أن يظهر بهذه الصورة.
والأمر نفسه ينطبق على ملاعب كربلاء وميسان والمدينة والفيحاء وغيرها من الملاعب التي شملتها تجربة الإسناد للأندية.
نحن لا نبحث عن شماعة لتعليق الأخطاء عليها، ولا نريد تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، بل نريد إنقاذ منشآتنا الرياضية قبل أن يصبح إصلاحها أكثر كلفة من المحافظة عليها.
قرار شجاع قبل فوات الأوان
إن أفضل ما يمكن أن يفعله مجلس الوزراء الآن هو أن يضع ملف الملاعب على طاولة المراجعة، وأن يشكل لجنة فنية وادارية وقانونية ومالية محايدة لتقييم تجربة العامين الماضيين، والوقوف على واقع كل ملعب، وحجم الصيانة التي أُنجزت، والأموال التي صرفت، ونسبة الإنجاز، وحجم الأضرار التي حدثت.
وبعدها، إذا أثبت التقييم ما نشاهده بأعيننا من تراجع في عدد من الملاعب، فلا ينبغي التردد في اتخاذ القرار الصحيح.
* أعيدوا الملاعب إلى وزارة الشباب والرياضة..
* أعيدوها قبل أن تتحول المنشآت الحديثة إلى منشآت تحتاج إلى إعادة تأهيل كاملة.
* أعيدوها إلى الجهة التي تمتلك الكوادر والخبرة والتخصص.
* أعيدوها حفاظاً على المال العام.
* أعيدوها حفاظاً على ملاعب بناها العراقيون بأموال الدولة.
*وأعيدوها لأن الملعب ليس مجرد أرضية وعشب ومدرجات، بل هو واجهة للمدينة، وواجهة للرياضة العراقية، وبيت للجمهور والرياضيين.
ولأن الخطأ الحقيقي ليس في الاعتراف بأن تجربة ما لم تنجح بالشكل المطلوب، وإنما في الإصرار على استمرارها رغم وضوح النتائج.
إن ملعب النجف الدولي اليوم يرسل رسالة واضحة لا تحتاج إلى ترجمة:
أنقذوا ملاعبنا قبل أن نفقد بريقها.. وأعيدوا الملاعب إلى وزارة الشباب والرياضة قبل فوات الأوان.
فهل تصل الرسالة إلى مجلس الوزراء؟ وهل نشهد قراراً شجاعاً يعيد للملاعب العراقية هيبتها وبريقها؟
أعيدوا الملاعب لوزارة الشباب.. فالمنشآت التي بنتها الدولة تستحق أن تُصان بإدارة الدولة.