رجل من طينة النبلاء
أربع سنوات مع الفريق موفق الجنابي
رياض هاني بهار
في مسيرة الإنسان المهنية والاجتماعية نلتقي بالكثير من الأشخاص، بعضهم تعبره الأيام وينتهي أثره بانتهاء الموقع أو العمل، وبعضهم يبقى حاضرا في الذاكرة والوجدان، لأن قيمته لم تكن في منصب شغله أو رتبة حملها، بل في أخلاقه ومعدنه ونبل مواقفه ونقاء سريرته.
ومن هؤلاء الرجال الذين أعتز بمعرفتهم أخي وصديقي العزيز الفريق موفق عبد الهادي الجنابي.
أمضيت معه قرابة أربع سنوات كنت خلالها قريبا منه بما يكفي لأتعرف إلى شخصيته بعيدا عن الرسميات والمجاملات.
سمعة طيبة
وكلما امتدت معرفتي به ازددت يقينا بأنني أمام رجل من طراز أولئك الذين تتقدم أخلاقهم على أسمائهم، وتسبق سمعتهم الطيبة مناصبهم ورتبهم.
عرفت فيه رجلاً صاحب دين وخلق ويظهر تدينه في سلوكه قبل حديثه، وفي تعامله مع الناس قبل مظهره.
كان يخشى أن يظلم ويتجنب أن يسيء ويحرص على ألا تكون الكلمة سببا في جرح إنسان أو الانتقاص من كرامته.
وهذا في نظري هو أجمل ما في التدين حين يتحول إلى ضمير حي وأمانة ورحمة وحسن معاملة.
وعرفت فيه نصاعة القلب ونقاء السريرة ، لم يكن ممن يحملون الأحقاد أو يخزنون الخصومات، ولم أجد فيه نزعة إلى التشفي أو الإساءة لمن اختلف معه. كان قادرًا على الاختلاف دون خصومة، وعلى العتاب دون تجريح، وعلى ممارسة مسؤوليته دون استعلاء. وهي صفات لا تصنعها الرتب ولا تمنحها المناصب، وإنما تأتي من تربية أصيلة ونفس كريمة.
وكان الزهد من الصفات التي لفتتني فيه كثيرًا ،فالزهد عنده لم يكن عزوفا عن المسؤولية، وإنما كان عدم التعلق بمغرياتها.
لم يكن المنصب غايته ولم تكن الأضواء مطلبه، ولم أر فيه لهاثا وراء مكسب أو امتياز ،كان يدرك أن المواقع مؤقتة، وأن ما يبقى للإنسان بعد مغادرتها هو اسمه وسمعته وما تركه في قلوب الناس.
أما نظافة اليد وعفة النفس فهما من الصفات التي أقولها عنه مطمئنًا، لأنها ثمرة سنوات من المعرفة والمعايشة ، وفي زمن تصبح فيه المسؤولية امتحانا حقيقيًا للضمير، فإن أجمل ما يمكن أن يخرج به الإنسان من مسيرته أن يقال عنه إنه دخل المسؤولية نظيفًا وخرج منها نظيفًا، لم يساوم على أمانته ولم يجعل من موقعه بابا لمنفعة شخصية.
وكان موفق الجنابي ابا سلوان متواضعًا بطبيعته ، لا يتعامل مع الناس من علو الرتبة، ولا يحتاج إلى أن يشعر الآخرين بمكانته حتى يشعر بقيمته.
وفي الوفاء كان نعم الأخ والصديق ،لم تكن صداقته مرتبطة بمصلحة أو موقع، ولم تكن مودته تتبدل بتبدل الظروف .
كان قريبًا إلى نفسي وشعرت معه أن العلاقة تجاوزت حدود الزمالة الرسمية إلى أخوة صادقة أساسها الثقة والاحترام وصفاء النية.
وأحسب أن من أعظم نعم الإنسان أن يغادر أي موقع وتبقى وراءه سيرة نظيفة وذكر طيب ودعوات صادقة.
مواقف متعددة
فالمناصب مهما علت تنتهي والرتب مهما كبرت تصبح يوما جزءًا من الماضي، أما الأخلاق فهي المنصب الذي لا يسقط والسمعة الطيبة هي الرتبة التي يمنحها الناس للإنسان بعد أن تنتهي جميع الرتب الرسمية.
أربع سنوات جمعتني بأبي سلوان كانت كافية لأرى الرجل في أوقات مختلفة ومواقف متعددة، والرجال كما نعرف لا تختبرهم الكلمات وإنما تكشفهم المواقف.
وما وجدته فيه كان يزيدني احتراما له ،هدوء بلا ضعف، وتواضع بلا تصنع، ودين بلا ادعاء، ونزاهة بلا استعراض، وطيبة لا تلغي الحزم، ووفاء لا تغيره الظروف.
ولهذا فإن كلماتي عنه ليست ثناء مناسبة ولا مجاملة صديق لصديقه، وإنما هي شهادة رجل عرف رجلاً عن قرب، وعاش معه سنـــــــــــــوات من العمل والحوار والمواقف، فخرج منها وهو يحمل له محــــــــــــــبة أكبر واحترامًا أعمق.
أخي العزيز أبا سلوان ، ربما فرقت بيننا مواقع العمل يومًا، وربما تتغير الظروف والمسؤوليات، لكن ما زرعته في النفس من محبة واحترام سيبقى.
أعتز بأنني عرفت رجلًا مثلك وأعتز أكثر بأن سنوات العمل جعلت منك أخًا قريبًا إلى نفسي قبل أن تكون زميلًا عزيزًا.
أسأل الله أن يحفظك ويبارك لك في عمرك وأهلك، وأن يجزيك عن طيب قلبك ونبل أخلاقك ونظافة يدك خير الجزاء، وأن تبقى كما عرفتك دائمًا ،رجلًا فاضلًا، نقي السريرة، عفيف النفس، كريم الخلق، طيب الذكر، جميل الأثر.
فالرجال لا تخلدهم المناصب، وإنما تخلدهم المواقف والسيرة الحسنة وما يتركونه من أثر في قلوب من عرفوهم.