الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراقيون يعيدون تشكيل مدينة على ضفاف مرمرة

بواسطة azzaman

من يالوفا التركية إلى (يلوا) الرافدينية

العراقيون يعيدون تشكيل مدينة على ضفاف مرمرة

ياس خضير البياتي

حين تقترب العبّارة من ميناء يلوا، تتراجع إسطنبول خلفك تدريجياً، ويظهر أمامك شريط ساحلي تحيط به الخضرة والجبال. دقائق قليلة تفصل المسافر عن مدينة تبدو أكثر هدوءاً من إسطنبول، وأقل ازدحاماً، لكنها تحمل في السنوات الأخيرة قصة أخرى لا تظهر في الخرائط السياحية: قصة العراقيين الذين استقروا فيها، وحوّلوا جزءاً من المدينة إلى مساحة جديدة للعيش والحنين.

بالنسبة إلى التركي، هي «يالوفا». أما العراقي، فيقول غالباً «يلوا». اختلاف بسيط في النطق، لكنه يكشف شيئاً أكبر؛ فالمكان الذي يصل إليه المهاجر لا يبقى دائماً كما وجده. مع الوقت، يحمل القادم لغته ومطبخه وعاداته وذاكرته، ويبدأ بإضافة طبقة جديدة إلى هوية المدينة.

تقع يلوا على الساحل الشرقي لبحر مرمرة، وهي من أصغر الولايات التركية مساحة، لكنها تتمتع بموقع جعلها مرتبطة بصورة وثيقة بإسطنبول. وتصل إليها العبارات البحرية خلال نحو ساعة تقريباً، بحسب خط الرحلة، لتتحول رحلة البحر نفسها إلى جزء من تجربة الانتقال من صخب المدينة الكبرى إلى هدوء مدينة أصغر.

مدينة صغيرة بتاريخ طويل

لا تبدأ حكاية يلوا مع العراقيين. فالمدينة والمنطقة المحيطة بها عرفتا الاستيطان والحضارات المتعاقبة منذ العصور القديمة، وتعاقبت عليها سلطات مختلفة، وصولاً إلى الرومان ثم البيزنطيين والعثمانيين.

وفي العهد الجمهوري، اكتسبت يلوا أهمية إضافية بعد ارتباطها بمصطفى كمال أتاتورك الذي اختارها مصيفاً ومكاناً للراحة. ومن أشهر معالمها «القصر المتحرك»، المرتبط بالقصة المعروفة عن نقل المبنى بدلاً من قطع شجرة معمرة كانت تعترض عملية التوسع. وتحوّلت هذه الحكاية إلى واحدة من الرموز التي تُستعاد عند الحديث عن علاقة يلوا بالطبيعة. فالغابات والينابيع والجبال ليست مجرد خلفية للمدينة، بل جزء من صورتها الاقتصادية والسياحية والاجتماعية.

وفي عام 1930 أصبحت يلوا مرتبطة بإسطنبول بصورة أوثق، وهو ارتباط ازداد لاحقاً مع تطور النقل البحري. ومع وصول العبارات الحديثة، أصبحت المدينة خياراً عملياً لمن يريد العيش بعيداً عن ازدحام إسطنبول، من دون أن ينقطع عنها.

لكن الطبيعة الجميلة ليست وحدها التي صنعت جاذبية يلوا. فالتنوع السكاني الذي شهدته المنطقة عبر مراحل مختلفة أوجد مجتمعاً متعدد الخلفيات، ضم جماعات وعائلات جاءت من مناطق مختلفة، بينها القرم وبلغاريا وداغستان وإسطنبول وغيرها.

وفي هذا المجتمع المتنوع وجد القادمون الجدد، ومنهم العراقيون، مساحة للاندماج التدريجي.

من الينابيع إلى شوارع العراقيين

في ترمال، إحدى أشهر مناطق يلوا، تتغير صورة المدينة مرة أخرى. هنا تنتشر الينابيع المعدنية الحارة والحمامات التي ارتبطت شهرتها بتاريخ طويل يعود إلى العصور القديمة، ولا سيما الفترة الرومانية.

يقصد العراقيون ترمال للعلاج والاسترخاء، لكن زيارة المنطقة بالنسبة إلى كثير منهم تتجاوز فكرة العلاج. إنها فرصة للابتعاد عن ضغط الحياة، والبحث عن أيام أكثر هدوءاً.

ومع مرور السنوات، لم يعد العراقي في يلوا مجرد زائر.

في عدد من الأحياء يمكن سماع اللهجة العراقية في الشوارع والمحال والمطاعم. وانتشرت مطاعم تقدم الأكلات العراقية، إلى جانب المتاجر والمكاتب وبعض المشروعات التي يديرها عراقيون.

المشهد الأكثر دلالة يظهر في الصيف، عندما تجتمع العائلات العراقية في الحدائق وعلى الكورنيش. الأطفال يلعبون، والآباء يتبادلون الأحاديث، وعلى الموائد تظهر أطباق اعتادوا عليها في بغداد والبصرة والموصل. وتحتل الدولمة مكانة خاصة في هذه المشاهد.

فالطبق الذي يُعدّ في العراق جزءاً من المائدة العائلية، يتحول في الغربة إلى وسيلة لاستعادة الذاكرة. هنا لا تكون الدولمة مجرد طعام؛ إنها طريقة للقول إن الوطن يمكن أن ينتقل مع الإنسان، حتى عندما تتغير الجغرافيا.

وهذا ما لمسناه في بيت أبو نوفل، حيث كان الكرم العراقي حاضراً بكل تفاصيله. كانت الدولمة والبرياني على المائدة، وكأن البيت العراقي انتقل لبعض الوقت من بغداد إلى ضفاف بحر مرمرة. لم تكن المائدة مجرد ضيافة، بل مساحة لاستعادة عادات الأهل وطقوس البيت العراقي، حيث الطعام جزء من الذاكرة، والكرم لغة لا تحتاج إلى ترجمة.

وفي بيت أبو إبراهيم، كانت الحكاية مختلفة قليلاً، لكنها لا تقل عراقية. كان السمك المسكوف حاضراً على الطريقة العراقية، لكن السمك هذه المرة ليس من أنهار العراق، بل من مياه بحر مرمرة. مشهد تختصر فيه يلوا الكثير من حكاية العراقيين فيها: وصفة عراقية قديمة، وسمكة بحرية تركية، ومائدة تجمع المكانين في طبق واحد.

هنا تحديداً تبدو فكرة الاندماج أكثر وضوحاً؛ فالعراقي لا يتخلى عن عاداته عندما يغير بلده، لكنه يعيد إنتاجها وفق البيئة الجديدة. حتى المسكوف، أحد أكثر الأطباق التصاقاً بالذاكرة العراقية، يستطيع أن يجد طريقه إلى مائدة في مدينة تركية، وأن يحتفظ بروحه العراقية رغم اختلاف مصدر السمك والمكان.

وبين دولمة أبي نوفل وبريانيه، ومسكوف أبي إبراهيم، تصبح المائدة نفسها وثيقة اجتماعية صغيرة: العراقيون لم يحملوا معهم ذكرياتهم فقط، بل حملوا أيضاً تفاصيل حياتهم اليومية، وأعادوا تقديمها في مدينة جديدة.

وفي المقاهي والأسواق، يحدث شيء آخر في الاتجاه المقابل.

يتشارك العراقيون والأتراك المكان نفسه. يشرب العراقي الشاي التركي، ويتذوق التركي الأكلات العراقية، وتختلط اللهجتان في الأسواق والمحال. علاقات الجوار والعمل والمصلحة اليومية تصنع نوعاً من التعايش العملي الذي لا يحتاج إلى شعارات.

لكن هذا الاندماج لا يعني أن الحياة أصبحت سهلة.

العراقيون أمام سؤال الاستقرار

يقول أبو إسماعيل، وهو موظف متقاعد، إن يلوا التي عرفها قبل سنوات لم تعد هي نفسها اليوم. ويختصر التغيير بقوله: كنا نعيش بـ 500 دولار شهرياً، أما الآن فالأمور تغيّرت. الإيجارات ارتفعت، والمعيشة تضاعفت حتى وصلت إلى 1500 دولار أو أكثر. حديثه يعكس واحدة من أكثر القضايا حضوراً في حياة العراقيين المقيمين في تركيا: ارتفاع كلفة المعيشة، وما يرافقه من إعادة حسابات بشأن الاستقرار.

فالعائلة التي جاءت بحثاً عن مدينة هادئة وتكاليف يمكن تحملها تجد نفسها أمام سوق سكن ومعيشة أكثر كلفة. ومع مرور الوقت، أصبح قرار البقاء أو العودة إلى العراق مرتبطاً بمجموعة عوامل، من بينها الدخل والإيجار والأمان ونوعية الخدمات ومستقبل الأبناء.

وبعض العراقيين اختاروا بالفعل العودة إلى العراق، خصوصاً مع تحسن الظروف في بعض المناطق. لكن العودة ليست دائماً قراراً نهائياً؛ فالبعض يعود لفترة، ثم يجد نفسه مشتاقاً إلى المكان الذي عاش فيه سنوات.

في المقابل، يرى أبو نوفل، وهو موظف متقاعد، أن ارتفاع الأسعار لا يلغي المزايا التي توفرها يلوا. يقول:

«نعم، المعيشة أصبحت أغلى، لكن هناك أمان وقوانين واضحة. هذا شيء مهم جداً، خاصة لمن لديه عائلة،

ويضيف «أن المناخ المعتدل والهدوء يمثلان عامل جذب مهماً، خصوصاً بالنسبة إلى المتقاعدين والعائلات التي لا تبحث عن حياة المدن الكبرى

أما أبو إبراهيم، وهو طيار سابق، فينظر إلى التجربة من زاوية مختلفة. فقد زار مدناً تركية عديدة قبل أن يختار يلوا مكاناً للاستقرار، لكنه وجد فيها، بحسب تعبيره، «شيئاً يشبهه. يقول: إن المدينة هادئة، لكنها ليست مملة، وجميلة من دون تكلف، ويرى أنها مناسبة للمتقاعدين لأنها توفر الراحة من دون أن تفرض العزلة.

ثلاث شهادات، وثلاث زوايا مختلفة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: الحياة في يلوا لم تعد رخيصة كما كانت، لكنها ما زالت قادرة على تقديم أسباب للبقاء.

زلزال 1999… ذاكرة أخرى للمدينة

ولا يمكن الحديث عن يلوا من دون التوقف عند الزلزال الذي ضرب منطقة مرمرة في 17/ اب 1999.كان الزلزال واحداً من أكثر الكوارث الطبيعية تأثيراً في تاريخ تركيا الحديث، وترك في يلوا خسائر بشرية ومادية كبيرة. دُمّرت مبانٍ، وفقدت عائلات أحباءها، وأصبحت السلامة الإنشائية قضية حاضرة في الوعي العمراني للمدينة. وبالنسبة إلى سكان المدينة، فإن هذه الذاكرة لا تنتمي إلى الماضي فقط؛ فهي جزء من طريقة النظر إلى البناء والسكن واختيار المكان.

ومع ذلك، استمرت يلوا في استقطاب السكان الجدد، مدفوعة بموقعها ومناخها وطبيعتها وقربها من إسطنبول.

وبالنسبة إلى العراقيين، أضيف إلى هذه العوامل عنصر آخر: وجود مجتمع عراقي أصبح قادراً على توفير شيء من الألفة.

فالمطعم العراقي موجود، والمتجر العراقي موجود، واللهجة العراقية مسموعة، والعلاقات الاجتماعية يمكن أن تبدأ من معرفة عابرة في مقهى أو سوق أو حديقة. لكن الألفة لا تلغي الحنين.

في المقاهي المطلة على البحر، يمكن أن يبدأ الحديث عن أسعار الإيجارات، ثم ينتقل خلال دقائق إلى بغداد والبصرة والموصل. يتحدث أحدهم عن الحياة في تركيا، ثم يستعيد فجأة ذكريات الحي الذي تركه في العراق.

كأن المكانين يبدوان متباعدين على الخريطة، لكنهما متجاوران في الذاكرة.

بين مدينتين… أين يكون الوطن؟

ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي تطرحه تجربة العراقيين في يلوا. هل المكان الذي يوفر الأمان والاستقرار يصبح وطناً؟ أم أن الوطن يبقى حيث ولدت الذاكرة الأولى؟

الإجابات تختلف من شخص إلى آخر.

هناك من يرى أن يلوا أصبحت موطنه الثاني، وهناك من يعتبرها محطة مؤقتة مهما طال بقاؤه فيها، وهناك من يعيش بين الاثنين: يستقر في تركيا، لكنه يعود إلى العراق كلما سنحت الفرصة. ويحرص كثير من العراقيين على زيارة العراق بصورة دورية. الزيارة بالنسبة إليهم ليست مجرد سفر، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع، والاحتفاظ بعلاقة مع مكان لم يغادرهم تماماً. وفي المقابل، يكتشفون في كل عودة إلى يلوا أنهم تركوا جزءاً من حياتهم هنا أيضاً.

لهذا تبدو المدينة اليوم مختلفة عن «يالوفا» التي كانت في الذاكرة التركية التقليدية. لقد أصبحت، بالنسبة إلى شريحة من العراقيين، «يلوا» أخرى؛ مدينة أعادوا تسميتها في لغتهم، وأدخلوا إليها مطبخهم ولهجتهم وطقوسهم الاجتماعية وذكرياتهم. لم يغيّر العراقيون خريطة المدينة، لكنهم غيّروا بعض تفاصيلها اليومية.

وهذا هو جوهر قصة يلوا الجديدة.

مدينة تركية على بحر مرمرة، لكنها بالنسبة إلى آلاف العراقيين ليست مجرد محطة إقامة. إنها مساحة معلقة بين وطنين؛ بين ذاكرة بغداد والبصرة والموصل، وبين البحر والغابات والينابيع والهدوء.

وفي المساء، عندما تخف حركة الناس ويهدأ البحر، يعود المكان إلى صورته الأولى. لكن خلف هذا الهدوء، ثمة مدينة أخرى تتشكل ببطء. مدينة تركية يتحدث فيها العراقي بلهجته، يأكل طعامه، يستعيد ذكرياته، ويبحث في الوقت نفسه عن مستقبل جديد.

وهكذا، لم يعد السؤال: لماذا ذهب العراقيون إلى يلوا؟

بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا فعل العراقيون بيلوا… وماذا فعلت يلوا بهم؟

 

 

 


مشاهدات 81
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/08/15 - 2:47 AM
آخر تحديث 2026/08/15 - 6:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 395 الشهر 15480 الكلي 16105184
الوقت الآن
السبت 2026/8/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير