الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
دروس مستوحاة من دورة صقل حكّام النجف

بواسطة azzaman

عبد القادر وحسين يرسمان ملامح الحكم العصري

دروس مستوحاة من دورة صقل حكّام النجف

 

النجف-نجم عبد كريدي

 لم تعد دورات صقل الحكام مجرد محطة لتذكير قضاة الملاعب بنصوص القوانين وموادها، بل أصبحت مساحة حقيقية لتبادل الخبرات، وتحليل الحالات، ومراجعة القرارات، ومواكبة التطورات المتسارعة التي تشهدها كرة القدم الحديثة.

ومن هذا المنطلق، جاءت دورة صقل حكام الدرجة الأولى التي اقيمت في محافظة النجف مؤخرا، التي شهدت حضوراً فنياً مهماً للمحاضرين علاء عبد القادر وحازم حسين، بعدما قدما للمشاركين جرعة غنية من المعرفة التحكيمية، اقترنت بعروض ولقطات فيديويـة وحالات تطبيقية أثارت اهتمام الحكام وأسهمت في تعزيز قدرتهم على قراءة الحالات واتخاذ القرار المناسب.

 الحكم العصري

أحد أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من الدورة هو أن الحكم الناجح لا يكتفي بحفظ القانون، وإنما يحتاج إلى فهم عميق لروحه وتطبيقاته، فضلاً عن امتلاكه القدرة على قراءة المباراة والتعامل مع مختلف تفاصيلها.

فالتحكيم اليوم بات مزيجاً من المعرفة القانونية، واللياقة البدنية، والتركيز، والتمركز، وسرعة القراءة، والشخصية القوية، وحسن التواصل مع اللاعبين.

وهنا تبرز أهمية ما طرحه المحاضران علاء عبد القادر وحازم حسين من حالات عملية، تؤكد أن القرار الصحيح لا ينفصل عن المكان الذي يوجد فيه الحكم، ولا عن الزاوية التي يرى منها الواقعة.

 نصف القرار

أكد المحاضران أهمية التمركز المثالي والتركيز العالي والقراءة الذكية للعب، فالحكم الذي يريد اتخاذ القرار الصحيح يجب أن يكون قريباً من الحدث بالقدر الذي يسمح له بالرؤية دون أن يصبح عائقاً أمام سير اللعب.

ومن أهم المفاتيح التي يحتاجها الحكم

التحرك المستمر ومتابعة الكرة واللاعبين.

اختيار زاوية رؤية تمنع حجب الحالة بواسطة اللاعبين.

قراءة اللعب والتنبؤ بمكان الحدث قبل وقوعه.

التركيز في التفاصيل الصغيرة طوال المباراة.

اتخاذ القرار بثقة وسرعة ودون تردد.

إن الحكم لا يستطيع أن يرى كل شيء من مكان واحد، ولذلك فإن التمركز الجيد يصنع زاوية الرؤية، وزاوية الرؤية تساعد على قراءة وتفسير وصناعة القرار.

لمسة اليد

كانت حالات لمس الكرة باليد من أبرز المحاور التي حظيت بالشرح والتحليل، إذ قدم المحاضر الدولي حازم حسين شرحا وافيا، بإسناد من زميله علاء عبد القادر، مقترنة بمجموعة من اللقطات المهمة التي أوضحت الفارق بين اللمسة التي تشكل مخالفة وتلك التي تستوجب استمرار اللعب.

فوفقاً لقانون اللعبة، لا تكون كل لمسة للكرة باليد مخالفة، وإنما ينظر الحكم إلى طبيعة اللمسة، ووضع الذراع، وحركة اللاعب، والمسافة، وسياق الحالة.

وتبرز المخالفة عندما يتعمد اللاعب لمس الكرة بيده أو ذراعه، أو يجعل جسمه أكبر بصورة غير مبررة من خلال وضع الذراع في موقع غير طبيعي، فضلاً عن الحالات الخاصة بتسجيل الأهداف أو خلق فرصة تسجيل مباشرة بواسطة اليد أو الذراع وفق ما يحدده القانون.

وفي المقابل، هناك حالات لا تستوجب احتساب مخالفة، ومنها بعض الارتطامات القريبة وغير المتوقعة، أو وجود اليد في وضع طبيعي وملاصق للجسم، وكذلك وضع اليد لدعم الجسم أثناء السقوط عندما لا تكون ممدودة بطريقة تؤدي إلى زيادة مساحة الجسم بصورة غير طبيعية.

سبب قانوني

ومن الدروس المهمة التي تناولها المحاضران مفهوم «الحالات التي لا يمكن تفاديها»، وهو مفهوم يحتاج إلى قراءة دقيقة من الحكم.

فعندما تصطدم الكرة بيد اللاعب من مسافة قريبة جداً وبسرعة لا تمنحه فرصة حقيقية لتجنبها، وكانت اليد في وضع طبيعي، فإن مجرد حدوث اللمس لا يعني تلقائياً وجود مخالفة.

والأمر ذاته ينطبق على بعض التحديات  والاحتكاكات البدنية الطبيعية الناتجة عن التنافس المشروع، أو الحالات التي تكون فيها يد اللاعب مستندة إلى الأرض لدعم جسمه أثناء السقوط.

لكن الصورة تتغير عندما تكون يد اللاعب في وضع غير طبيعي يؤدي إلى تكبير مساحة الجسم، أو عندما يقوم اللاعب بحركة إضافية باتجاه الكرة أو المنافس.

وهنا تبرز قيمة الحكم في تمييز الحالة، لا مجرد مشاهدة اللمسة.

مخاطرة الدفاع

ومن المفاهيم المهمة التي جرى التوقف عندها مفهوم ال Risk  أو المخاطرة.

وأوضح المحاضر علاء عبد القادر أن الحكم ينبغي أن يقرأ وضعية اللاعب قبل وصول الكرة، فإذا كان المدافع قد وضع يده أو ذراعه في وضع غير طبيعي قبل وصول الكرة، فإنه يكون قد خاطر بوجودها في ذلك الموقع، الأمر الذي قد يجعل احتساب المخالفة هو القرار الصحيح وفق ظروف الحالة.

وهذا يؤكد أن الحكم لا ينظر إلى لحظة اصطدام الكرة باليد فقط، وإنما يقرأ نية وسلوك اللاعب ووضعية جسمه والحركة السابقة للحظة اللمس.

عين اضافية

لقد أحدثت التكنولوجيا تحولاً كبيراً في عالم التحكيم، من خلال تقنية حكم الفيديو المساعد VAR، وتقنية خط المرمى، والتسلل شبه الآلي، وغيرها من الأدوات التي ساعدت على تقليل الأخطاء المؤثرة.

لكن التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تلغي دور الحكم ولا تلغي أهمية شخصيته وقراءته للمباراة، فالحكم له السلطة التقديرية الكاملة.

والـVAR يمكن أن يساعد في مراجعة الأخطاء الواضحة والمؤثرة ضمن الحالات التي يسمح القانون بمراجعتها، بينما تبقى مسؤولية الحكم الأساسية قائمة في إدارة المباراة واتخاذ قراراته وفق القانون.

وفي الوقت نفسه، أثارت التكنولوجيا نقاشاً آخر يتعلق بكثرة التوقفات، ودقة بعض التفاصيل، والتسلل بفوارق بالغة الصغر، الأمر الذي يجعل من الضروري تحقيق التوازن بين الدقة التقنية وروح اللعبة وانسيابيتها.

اهدار الوقت

ومن الاتجاهات الحديثة في قوانين اللعبة التركيز المتزايد على مكافحة إهدار الوقت وضبط السلوك داخل الملعب، من خلال إجراءات أكثر صرامة تجاه التأخير المتعمد في استئناف اللعب والتبديلات وبعض السلوكيات التي تؤثر في إدارة المباراة.

وهنا يصبح الحكم مطالباً بأن يكون حازماً وواعياً، وأن يميز بين التأخير الطبيعي والتأخير المتعمد، وأن يطبق القانون بصورة متسقة وعادلة على الفريقين.

فالوقت جزء من المباراة، والحفاظ عليه مسؤولية مشتركة بين الحكم واللاعبين والأجهزة الفنية.

ومن الموضوعات الحديثة التي تستحق اهتمام الحكام ما يتعلق بتقييم إصابة اللاعب والإجراءات التي تليها.

ويهدف البروتوكول الخاص بإصابة اللاعب إلى منح الطاقم الطبي فرصة مناسبة لتقييم الحالة، وفي الوقت ذاته الحد من تعطيل سير المباراة.

ومن الحالات التي قد تستوجب مغادرة اللاعب المصاب أرض الملعب بعد استئناف اللعب، تلك التي يتوقف فيها اللعب بسبب إصابة ويستدعى الطاقم الطبي إلى أرض الملعب أو يطلب اللاعب العلاج داخله، مع وجود حالات استثنائية يحددها القانون، ومنها بعض إصابات حراس المرمى، والاصطدامات الخطيرة، والحالات الطبية الطارئة، والإصابات الناتجة عن مخالفات تستوجب العقوبة.

وهنا أيضاً يتجسد دور الحكم في تحقيق التوازن بين سلامة اللاعب واستمرارية المباراة.

 الإجراء الوقائي

ولعل من أجمل الدروس التي يمكن أن تخرج بها دورة الصقل هو أن الحكم ليس مجرد شخص يطلق الصافرة ويشهر البطاقات، وإنما هو قائد حقيقي داخل الملعب.

وقد شدد المحاضران عبد القادر وحسين على أهمية الإجراء الوقائي والتعامل الإيجابي مع اللاعبين، ومحاولة معالجة المشكلات قبل أن تتفاقم، من خلال التواصل والحضور والوضوح في المواقف.

والحكم الناجح هو الذي يسعى إلى السيطرة على المباراة دون أن يبحث عن استعراض سلطته، ويكون جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة.

وفي هذا السياق يبرز الشعار الذي طرحه المحاضران..

« Take it easy by easy «

أي التعامل مع الأمور ببساطة وهدوء، دون تعقيد ما يمكن معالجته بالحوار والفراسة والذكاء التحكيمي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هيبة القانون وسلطة الحكم.

إن ما قدمه المحاضران علاء عبد القادر وحازم حسين في دورة صقل حكام الدرجة الأولى في النجف، لم يكن مجرد استعراض لنصوص قانونية أو عرض لحالات فيديوية، بل كان محاولة لترسيخ ثقافة تحكيمية جديدة تقوم على الفهم قبل الحكم، والقراءة قبـــــــــــل القــــــــــرار، والتمركز قبل الصافرة، والوقاية قبل العقوبة.

فالحكم الذي يحفظ القانون قد ينجح في الامتحان، لكن الحكم الذي يفهم القانون ويقرأ المباراة ويختار موقعه الصحيح ويتعامل مع اللاعبين بذكاء، ومؤهل بدنيا هو القادر على النجاح في الملعب.

وهذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن تحملها دورات الصقل.. صناعة حكم يعرف القانون، ويفهم اللعبة، ويحترم ويحمي اللاعب، كمايحمي المباراة، ويملك الشجاعة لاتخاذ القرار الصحيح في اللحظة الصحيحة.

وفي كرة القدم الحديثة، لم تعد الصافرة وحدها تصنع الحكم، بل تصنعه المعرفة والخبرة والتمركز والشخصية والهدوء والقـــدرة على قـــــــــــــراءة التفاصيل.

 


مشاهدات 69
أضيف 2026/08/15 - 2:02 AM
آخر تحديث 2026/08/15 - 5:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 395 الشهر 15480 الكلي 16105184
الوقت الآن
السبت 2026/8/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير