آخر المماليك
فيصل عبدالحسن
أغلب ابناء جيلنا قرأ في المتوسطة في حصة التاريخ عن محمد علي باشا الذي كان مملوكا تركيا ووصل مصر فوجد فيها مئات المماليك الذين يحكمون مدن و قرى ومداشر مصر . وكان كل مملوك له جيشه وجواسيسه وأتباعه وكانت البلاد مقسمة بين هؤلاء الذين كان يحكمون شعب مصر بالنبوت والفتوات؛ وكان المماليك يسكنون أجمل القصور ويقتنون أحدث موديلات الأثاث القادمة من فرنسا وانجلترا ويتزوجون ما طاب لهم من جميلات مصر؛ ولم يكن ذلك مقصورا عليهم بل هو مشاع لكبار تابعيهم ومن يهمهم أمره. يفرضون ضرائب ما أنزل الله بها من سلطان وقد بلغ الجوع بأهل مصر في زمانهم ما لم يبلغه في أي عهد سابق مر بشعب مصر .ولم يكن هذا ما كان يزعج محمد علي باشا بل أن هذه الطبقة المرفهة من المماليك كانوا حجر عثرة في توحيد مصر وجعلها لحمة واحدة لها قرار واحد ودولة معتبرة بين الدول في ذلك الزمن؛ فكل مملوك من المماليك كان يغني على ليلاه ولا يهمه كيف يعيش الناس أو يدافع عن مصر وقت الشدائد وكانوا على درجة من التخلف انهم اقترحوا كحل لمنع الاسطول الانجليزي من المرور في النيل بربط سلسلة حديدية ضخمة بين الضفتين لمنع مرور السفن الحربية التي تجاوزت تلك الإعاقة وجعلت الجنرال الانجليزي يضحك من غباء المماليك .محمد علي باشا المملوك الذي كان يملك طموحا فاق كل ممن حوله من المماليك عرف ان لا يمكن بناء دولة حديثة في مصر إلا بأزالة هؤلاء المماليك نهائيا من واقع مصر؛ لأجل بناء دولة تمتح مما وصلت له الحضارة الأوربية من تقدم وتساير زمن الاختراعات والتقدم التقني؛ فخطط لمذبحة القلعة الشهيرة دعا جميع مماليك مصر الى دعوة غداء باذخة في القلعة المحصنة بمناسبة تولية أبنه طوسون الحملة العسكرية الموجهة إلى الحجاز لمحاربة حركة محمد عبد الوهاب التي سميت بالحركة الوهابية واستنفر مائة ضابط معتمد من لدنه وما أن حضر جميع المماليك وفي ظنهم انهم في دعوة طعام وسيقدم لهم صاحب الدعوة أجمل الجواري كهدايا لكسب التاييد للحملة و لصاحب الدعوة وقبولهم به كأمير مقدم لجميع مماليك مصر امام سلطان الدولة العثمانية وكانوا في حبور وفرح وما أن ارتفع صوت الأبواق في أعلى مكان من القلعة؛ فأغلق الحراس أبواب القلعة حسب الخطة التي وضعها محمد علي باشا بنفسه؛ وبعد ذلك دخل على هؤلاء المماليك وهم في زينتهم ومرحهم الضباط المائة بخيلهم وبنادقهم وسيوفهم فقضوا على جميع مماليك مصر الكبار الحاضرين في ساعة واحدة ولم ينج من هذه المذبحة سوى مملوك واحد (أمين بك) وصل متأخرا بعد غلق أبواب القلعة فعاد الى بيته وهو يرتعد من هول ما سمعه من اصوات طلقات الرصاص وصراخ المماليك وهم يذبحون بسيوف ضباط الانكشارية؛ وهرب هذا المملوك الاخير مع زوجته وجاريته إلى الشام لئلا ينال مصيرا يشبه مصائر جماعته من المماليك. وهجمت الرعية على بقية مماليك مصر الصغار فقتلوا الفا منهم وسرقوا بيوتهم وأموالهم ؛ وبعدها نزل محمد علي باشا مع قواته إلى القاهرة فهدأت الأوضاع واستتب الأمر لمحمد علي باشا لبناء دولة مصر الحديثة فأرسل أبناء مصر النابهين إلى باريس ولندن والاستانة لكي يتعلموا ويعودوا بعد ذلك للعمل في معامل ومصانع عسكرية ومدنية أنشأها وأخذت مصر تستعيد عافيتها كدولة لها وزنها الإقليمي ووقتها أخذت الدول الأوربية تحسب مائة حساب لمحمد علي باشا ونهضة مصر الحديثة . بناء الدول مرهون دائما بوجود القائد الحازم الذي لا يشاركه في اتخاذ القرار أصحاب المصالح والفاسدون الذين لا تهمهم إلا مصالحهم ولا يهمهم مصير بلدهم .