الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من جرمو إلى السرداب.. حكاية آخر صانعي السكاكين في السليمانية

بواسطة azzaman

من جرمو إلى السرداب.. حكاية آخر صانعي السكاكين في السليمانية

باسل الخطيب

 

يقبع العم يونس عبد الخالق (74 عاماً) في سرداب بناية قديمة بشارع ملا علي وسط مدينة السليمانية، محاطاً بأصوات طرق المطرقة على السندان، وشرر النار المتطاير من فرن صهر المعادن. عمر سندانه يتجاوز المئة عام، ومطرقته تقترب من السبعين، وهو نفسه يمارس هذه الحرفة منذ أكثر من نصف قرن. لكن كل هذا التاريخ المتراكم لا يكفي لإقناع أبنائه بتعلّم المهن!

يونس واحد من اثنين فقط لا غير، بقيا يصنعان السكاكين يدوياً في مدينة السليمانية بأسرها.

من جرمو إلى السرداب

قبل أن يصل الإنسان إلى هذا السرداب المتواضع، كان قد قطع رحلة طويلة مع السكين. فقد وجد علماء الآثار، منهم البروفيسور د. كوزاد أحمد في جامعة السليمانية، أقدم نماذجها المصنوعة من الحجر الصوان في مواقع كردستانية عريقة كجرمو وزرزي في محافظة السليمانية، قبل أن تتطور صناعتها عبر الحجر والنحاس والحديد والفولاذ، وتتشعب استخداماتها من أداة طعام إلى سلاح يستعمل للصيد والحرب.اليوم، يختصر سرداب العم يونس كل هذا التاريخ في سرداب لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار.

إرث ثلاثة أجيال

ورث العم يونس عبد الخالق هذه المهنة عن أبيه وجده في بلدة طويلة، شرقي حلبجة، حيث كانت عشرات ورش صناعة السكاكين والأدوات الزراعية تملأ الأسواق وتلبي احتياجات الأهالي. حين أسس ورشته الخاصة قبل خمسة عقود، لكنه لم يكن يتخيل أنه سيصبح يوماً من آخر من يحمل هذه الحرفة.

يصنع العم يونس سكاكين وسواطير ومناجل وأدوات حلاقة، من بقايا المعادن ومناشير القطع والأنابيب القديمة، ويُكسو مقابضها بالخشب أو البلاستيك أو قرون الجواميس والكباش والغزلان بحسب رغبة الزبائن. ويقول بنبرة فيها مزيج من الفخر والمرارة «حب المهنة هو الذي أبقاني فيها كل هذه السنين برغم ما تتطلبه من قوة وصبر ودقة وتحمّل»، ويستدرك بحسرة «لكن أولادي يرفضون تعلّمها

منافسة غير عادلة

لا يحتاج العم يونس إلى تفسير طويل حين يُسأل عن سبب تراجع مهنته، يكفي أن يشير إلى المتاجر المكتظة بسكاكين مستوردة تُباع بأسعار لا يستطيع منافستها. ويقول «يُغرقون السوق بالمستوردة من مختلف أنحاء العالم كونها رخيصة الثمن»، ويوضح أن المشتري «لا يرى إلا السعر برغم أنها رديئة النوعية في أغلب الأحيان.»وعلى بُعد أمتار من ورشته، في محلة سرشقام قرب سوق الدولار وسط مركز المدينة، يعرض بائع السكاكين شيخ حسن قره داغي، الذي يمارس هذه المهنة منذ 25 عاماً، عشرات الأنواع المستوردة إلى جانب بعض القطع اليدوية. ويقول إن الإقبال «ما يزال موجوداً لا سيما على السكاكين الصغيرة للزينة والسفرات ومنها سكين وستا (أسطا) سوران ذات المقبض المصنوع من قرن الغزال المستوردة من مدينة سقز (مدينة إيرانية في محافظة كردستان) التي تحظى بإقبال واسع»، ويبين أن أسعار السكاكين في محله «تتراوح بين 15 ألف دينار و500 دولار بحسب جودة المواد وجماليتها».

الصامد الثاني

في محلة خانوو قورة كان، يواصل العم كمال حسن (55 عاماً) المعركة ذاتها منذ أكثر من 32 عاماً. بدأ بالسكاكين كهواية، فصارت حرفة وورشة ومصدر رزق. لكن عمله اليوم انحسر إلى حدوده الدنيا. «نعيش على الطلبات الخاصة في الغالب»، يقول كمال ويضيف أن غالبية زبائنه «هم من القصابين وأصحاب محلات الأسماك وبعض المطاعم، وهواة الاقتناء وأحياناً من يحتاج إلى تصليح سكين أو شحذها». ويستورد كمال معدنه الأساس، الفولاذ الأبيض المقاوم للصدأ، من إيران وألمانيا والسويد، ويستعين أيضاً بما يجمعه من معدات محلية مُعاد تدويرها. وبشأن أغلى سكين صنعها حتى الآن يقول «بعتها بـ200 ألف دينار لأحد الهواة».  يعزو كمال عدم وجود مصانع محلية للسكاكين إلى «ضعف الإمكانيات وغياب الدعم وعجز التاجر المحلي عن منافسة أسعار المستورد»، لكنه لا يطلب الكثير عندما يتمنى فقط أن «تُولي الجهات المعنية هذه الحرفة اهتماماً ولو من باب صونها كموروث شعبي

سندان ينتظر وارثاً

بين سندان العم يونس المئوي العمر وورشة العم كمال الصامدة، تقف حرفة صناعة السكاكين اليدوية في السليمانية على حافة الاختفاء. لا خطط حكومية لإنقاذها، ولا برامج لتوثيقها، ولا أجيال جديدة مستعدة لحملها. وحين تُغلق هاتان الورشتان أبوابهما يوماً ما، لن ترحل معهما مجرد مهنة، بل ستُطوى معهما صفحة من تاريخ حيّ امتد آلاف السنين، من حجر الصوان في جرمو إلى سرداب في قلب السليمانية.


مشاهدات 77
الكاتب باسل الخطيب
أضيف 2026/07/09 - 2:30 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 6:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 324 الشهر 8958 الكلي 15914085
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير