الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬23‭)‬

بواسطة azzaman

تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬23‭)‬

حسن‭ ‬النواب‭  ‬

 

لم‭ ‬أشعر‭ ‬بأهمية‭ ‬وضرورة‭  ‬ومنفعة‭  ‬تنور‭ ‬الطين‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬غربتي،‭ ‬بل‭ ‬أقول‭ ‬حاجتي‭ ‬الروحية‭ ‬لهذا‭ ‬التنور‭ ‬القروي‭ ‬أراها‭ ‬تسبق‭ ‬إشباع‭ ‬رغبتي‭ ‬بتناول‭ ‬الخبز‭ ‬العراقي‭ ‬منهُ،‭ ‬برغم‭ ‬أنَّ‭ ‬منظر‭ ‬الرغيف‭ ‬ورائحته‭ ‬المذهلة‭ ‬وهو‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬التنور‭ ‬الطيني؛‭ ‬تثير‭ ‬في‭ ‬مشاعري‭ ‬شهية‭ ‬للطعام‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬لها،‭ ‬وكنت‭ ‬أشعر‭ ‬بالتوجع‭ ‬المر‭ ‬خلال‭ ‬مكوثي‭ ‬في‭ ‬الأردن،‭ ‬حين‭ ‬تعود‭ ‬بي‭ ‬الذاكرة‭ ‬إِلى‭ ‬تنور‭ ‬الطين‭ ‬الكائن‭ ‬في‭ ‬ركن‭ ‬الحديقة‭ ‬من‭ ‬بيتنا‭ ‬الحكومي‭ ‬الشاسع‭ ‬في‭ ‬قضاء‭ ‬‮«‬المناذرة‮»‬،‭ ‬ذلك‭ ‬التنور‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬أذكر‭ ‬أنَّ‭ ‬رماد‭ ‬حطبه؛‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬تلقي‭ ‬به‭ ‬أمي‭ ‬رحمها‭ ‬الله‭ ‬إِلى‭ ‬خلف‭ ‬السياج‭ ‬قد‭ ‬ارتفع‭ ‬بشكل‭ ‬لافت‭ ‬وصار‭ ‬يوازي‭ ‬ارتفاع‭ ‬سور‭ ‬البيت‭ ‬بقامته‭ ‬الرمادية‭. ‬ويا‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬لحظات‭ ‬مليئة‭ ‬بالترقب‭ ‬والحبور‭ ‬حين‭ ‬يسجر‭ ‬تنور‭ ‬البيت‭ ‬قبل‭ ‬الغروب‭ ‬بأعقاب‭ ‬السعف‭ ‬السمراء،‭ ‬بينما‭ ‬أجلس‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬إخوتي‭ ‬وأخيّاتي‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬منه‭ ‬ونستمع‭ ‬إِلى‭ ‬طقطقة‭ ‬الحطب‭ ‬المحترق‭ ‬ونحن‭ ‬بلهفة‭ ‬لخروج‭ ‬أول‭ ‬رغيف‭ ‬حار‭ ‬من‭ ‬فم‭ ‬التنور‭ ‬المصنوع‭ ‬من‭ ‬طين‭ ‬الفرات‭. ‬تلك‭ ‬المشاهد‭ ‬والذكريات‭ ‬عن‭ ‬التنور‭ ‬تزاحمت‭ ‬في‭ ‬خاطري‭ ‬بشكل‭ ‬عاصف‭ ‬حين‭ ‬وصلت‭ ‬إِلى‭ ‬أستراليا،‭ ‬وصارت‭ ‬لهفتي‭ ‬لرغيف‭ ‬الخبز‭ ‬العراقي؛‭ ‬توازي‭ ‬لهفتي‭ ‬لزيارة‭ ‬قبور‭ ‬أحبائي‭ ‬الراحلين‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬بتُّ‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬أية‭ ‬وسيلة‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬رغيف‭ ‬خبز‭ ‬بصناعة‭ ‬تنور‭ ‬عراقي‭ ‬إِلى‭ ‬مائدة‭ ‬الطعام،‭ ‬ولا‭ ‬تستغربوا‭ ‬لو‭ ‬أخبرتكم‭ ‬حين‭ ‬سنحت‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬زيارة‭ ‬مدينة‭ ‬سدني،‭ ‬لم‭ ‬أرجع‭ ‬منها‭ ‬إلاّ‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬أرغفة‭ ‬خبز‭ ‬‮«‬العروك‮»‬‭ ‬كأغلى‭ ‬هدية‭ ‬ثمينة‭ ‬إِلى‭ ‬أم‭ ‬الجهال‭. ‬لم‭ ‬أصدق‭ ‬وغمرت‭ ‬قلبي‭ ‬فرحة‭ ‬عاصفة‭ ‬حين‭ ‬رأيت‭ ‬هناك‭ ‬مخبزًا‭ ‬عراقيًا‭ ‬في‭ ‬ضاحية‭ ‬فير‭ ‬فيلد،‭ ‬تلك‭ ‬الضاحية‭ ‬التي‭ ‬تظن‭ ‬أنها‭ ‬منطقة‭ ‬البتاوين‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬عندما‭ ‬تتجول‭ ‬في‭ ‬شارعها‭ ‬الرئيس،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬البتاوين‭ ‬في‭ ‬مقاهيها‭ ‬ومطاعهما‭ ‬الشعبية‭ ‬ومحلات‭ ‬البقالة‭ ‬لبيع‭ ‬الخضار‭ ‬ومشتقات‭ ‬الحليب‭ ‬واللهجة‭ ‬البغدادية‭ ‬المحببة‭ ‬تسمعها‭ ‬بوضوح‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يقطنونها،‭ ‬أغلبهم‭ ‬من‭ ‬الأخوة‭ ‬المسيحيين،‭ ‬وعند‭ ‬جسر‭ ‬سدني‭ ‬الشهير‭ ‬أشار‭ ‬أحد‭ ‬الأصدقاء‭ ‬إِلى‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يجلس‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬جان‭ ‬دمو‮»‬‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬متأملا‭ ‬طيور‭ ‬النورس‭. ‬كان‭ ‬المكان‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬رصيف‭ ‬طويل‭ ‬يحاذي‭ ‬نهر‭ ‬ساوث‭ ‬ويلز،‭ ‬يجتمع‭ ‬عليه‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬رسامون‭ ‬وشعراء‭ ‬ومشردون‭ ‬ومدمنون‭ ‬ومقامرون‭ ‬وغرباء‭ ‬ومهربو‭ ‬بشر‭ ‬وبائعو‭ ‬مقتنيات‭ ‬نادرة‭ ‬وحاجيات‭ ‬رخيصة،‭ ‬وتذكرت‭ ‬عندما‭ ‬هاتفني‭ ‬الشاعر‭ ‬العراقي‭ ‬غيلان‭ ‬وأخبرني‭ ‬بنبرة‭ ‬حزينة‭ ‬أنَّ‭ ‬‮«‬جان‭ ‬دمو‮»‬‭ ‬فارق‭ ‬الحياة،‭ ‬اهتز‭ ‬بدني‭ ‬بعنف‭ ‬عندما‭ ‬تلقيت‭ ‬النبأ،‭ ‬لكني‭ ‬ظننتُ‭ ‬أنه‭ ‬يمزح‭ ‬معي‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬لم‭ ‬يمض‭ ‬على‭ ‬وصولي‭ ‬إِلى‭ ‬مدينة‭ ‬بيرث‭ ‬سوى‭ ‬شهرين،‭ ‬وكنت‭ ‬عازمًا‭ ‬على‭ ‬زيارته‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬سدني‭ ‬حالما‭ ‬يستقر‭ ‬وضعي‭ ‬العائلي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المسكن‭ ‬والمشرب‭. ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬الآن‭ ‬أقف‭ ‬واجمًا‭ ‬أمام‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يجلس‭ ‬فيه،‭ ‬تأكدت‭ ‬من‭ ‬موت‭ ‬جان،‭ ‬فالشوارع‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬تتحمل‭ ‬خطواتي،‭ ‬والأشجار‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬لي‭ ‬بالاتكاء‭ ‬على‭ ‬جذوعها،‭ ‬والأرصفة‭ ‬تحتج‭ ‬على‭ ‬عقب‭ ‬سيجارتي‭ ‬عندما‭ ‬أقذف‭ ‬به‭ ‬إِلى‭ ‬حوافها،‭ ‬والقطط‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬تشاركني‭ ‬مزتي‭ ‬وطعامي،‭ ‬والمطاعم‭ ‬التي‭ ‬أدخلها‭ ‬صارت‭ ‬تطالبني‭ ‬بأجور‭ ‬الطعام،‭ ‬والحافلات‭ ‬التي‭ ‬أصعدها‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬ركابها‭ ‬يفسحون‭ ‬المجال‭ ‬لكي‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬مقعد‭ ‬فارغ‭ ‬أصلا‭. ‬صار‭ ‬ليلي‭ ‬نهارًا‭ ‬ونهاري‭ ‬ليلا‭ ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬جان،‭ ‬اليوم‭ ‬تأكدت‭ ‬من‭ ‬موت‭ ‬جان،‭ ‬ذلك‭ ‬أني‭ ‬هاتفته‭ ‬عندما‭ ‬صعدت‭ ‬المترو،‭ ‬وكل‭ ‬ظني‭ ‬أنه‭ ‬سيتعقب‭ ‬خطاي،‭ ‬وحين‭ ‬وليت‭ ‬وجهي‭ ‬إليه‭ ‬وجدت‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬هنا‭ ‬هم‭ ‬يشبهون‭ ‬جان‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بينهم،‭ ‬صحت‭ ‬جان‭ ‬بالعربية‭ ‬أولًا،‭ ‬أعني‭ ‬ناديت‭ ‬عليه‭ ‬حبيبي‭ ‬جان‭ ‬تعال‭ ‬هنا،‭ ‬ثم‭ ‬أدركت‭ ‬أني‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬يتحدث‭ ‬لغة‭ ‬أخرى‭ ‬فقلت‭: ‬

‭ – ‬please‭ ‬my‭ ‬dear‭ ‬come‭ ‬here‭. ‬

ولكن‭ ‬دون‭ ‬جدوى،‭ ‬جان‭ ‬لم‭ ‬يأبه‭ ‬لي‭ ‬والمترو‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الانطلاق،‭ ‬ظننت‭ ‬جان‭ ‬مازال‭ ‬يتشاجر‭ ‬مع‭ ‬الشرطي‭ ‬المخافر‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الميدان،‭ ‬وهبطت‭ ‬من‭ ‬المترو‭ ‬بحثًا‭ ‬عنهُ‭..‬

يتبع‭…‬

 


مشاهدات 53
الكاتب حسن‭ ‬النواب‭  ‬
أضيف 2026/06/15 - 11:51 PM
آخر تحديث 2026/06/16 - 1:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 99 الشهر 14881 الكلي 15890362
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير