وفرٌ كثيف بدأ يتساقط من سماء تلبدَّت بغيوم دكناء عندما انصرفتُ عن السيدة الأسترالية التي أمضيتُ ليلتي معها ليلة أمس، قررت الاحتماء في داخل كابينة تلفون عمومي ريثما يهدأ وابل البرَدْ، بدأتُ أتذكَّر عاصفة الصقيع التي حاصرتني عندما غادرت البلاد في منتصف شهر شباط من عام 2002 وانهالت التداعيات من مسارب ذاكرتي.. مركبة الجمسي التي تقلني إِلى الأردن تنطلق بسرعة سهم على الطريق الأسفلتي، بعد عناقي لصديقي أبي شكري في مفترق الطريق السريع المؤدي إِلى طربيل، بينما ظلت كلماته الأخيرة تنهش بروحي حين اتسعت عيناه وحدق بوجهي كالمرعوب هاتفاً:
- إياكَ أن تنسى العراق؛ إياك…
حتى غطت ملامح وجهه سحابة سوداء واستدار فجأة مبتعدا لئلا أرى الدمع الذي نزَّ في عينيه وهو يسحب خطواته كثمل يتعثر في الظلام. كان السماء صافية مثل قلب أمي، لكن الطقس تبدل فجأة حين جنَّ الليل ولما أصبحت السيارة على مقربة ساعة واحدة من بوابة حدود طربيل، هبت عاصفة ثلجية قاسية مباغتة والمركبة بدأت تشقُّ عباب الظلام بصعوبة بالغة على طريق معبّد وسط ديجور مخيف، ساعة واحدة ونصل بوابة حدود طربيل، فجأة هبّتْ عاصفة ثلجية قاسية أربكت حتى السائق، خفَّفَ من سرعة المركبة ليتمكن من رؤية الطريق الذي تحوّل إِلى بساطٍ أبيض تتخلَّلهُ ثقوب معتمة، بدأ محرك السيارة «يترتر» حتى همد، أطلق السائق حسرة طويلة مشوبة بقلق واضح ثم نبس:
- لقد نفد الوقود.
صُدمنا حين سمعنا النبأ، فيما قال راكب يجلس بمقعد خلفي موبِّخاً السائق:
- كان عليك الاحتفاظ بوقود احتياطي.
السائق أمضى سنوات طويلة يقود سيارته على هذا الخط كما عرفنا منهُ خلال الطريق، لكن العاصفة الثلجية جعلت محرك سيارته يستهلك ما تبقى من وقود، فلقد تعوَّدَ على ملأ خزان السيارة من محطة وقود قرب حدود بوابة طربيل حتى يبيع ما فاض منهُ في داخل الأردن، العاصفة الثلجية أفسدت خطته ولذا بان على ملامحه الارتباك. وها هي السيارة تجثم على جانب الشارع بينما الصقيع يضرب بدنها بعنف. كان الموقف يتطلب مغامرة محفوفة بالمخاطر من قبل السائق حتى ينقذنا من هذه المحنة، أخرج من تحت مقعده معطفاً جلدياً وارتداهُ وأحكم إغلاقه ثم غطّى رأسه ووجهه بكوفية حمراء مرقطة، شدّها بقوة حول عنقه، عندما فتح باب المركبة هجمت نصال الثلج علينا، أغلقها بسرعة بعد هبوطه ليواجه عاصفة الصقيع بمفرده حاملاً بيده عبوة بلاستكية كأنه شبح من دخان رصاصي، لبث يلوّح بها أمام ضوء السيارات الخاطفة، عسى أنْ تقف إحداهنَّ وتمنحه لترات وقود حتى يصل بها لحدود طربيل، قال أحد الركاب بهلع:
- سيتجمد من البرد؛ دعوه يرجع.
حرّكت يدي من خلف النافذة عسى أن يراها ويعود إِلى مكانه، مركبة رباعية الدفع خطفت على الشارع المندوف بالصقيع سرعان ما توقفت، ركض السائق نحوها، ملأ العبوة بالبنزين وعاد يهرول مترنحاً من شدة الريح وليغيب عن أنظارنا خلف سيارته لدقائق.. حتى فتح الباب جالسا على كرسي القيادة لاهثا وهو يرتعد من البرد، كانت يداه متخشبتان وقد تقوّست أصابعه كمن أصيب بصعقة تيار كهربائي، لم يكن يقوى على فتح فمه.. صاح أحد الركاب يحثُّني:
- أفرك يديه بسرعة؛ سيموت الرجل.
أخذتُ أدلكُ بكفيّ السائق المثلجتين، بينما نهض أحد الركاب من مقعده وراح يمرّغ دون كلل بوجه ورقبة وصدر السائق الذي دخل بغيبوبة، بعد دقائق سمعنا صوت شهيق يصدر منه.. واصلنا تدليك جسده حتى استرد وعيه وتحرك دمه.. قال أشبه بالثمل:
- ما الذي حدث؟
- كدت تموت يا أخي.
نفخ يديه بقوة وحرَّك أصابعه ثم دوّر مفتاح التشغيل، هدر صوت المحرك وانطلقت «الجمسي» وعاصفة الصقيع مازالت تحاصرنا بقسوة.
لم نصدق أن المركبة وصلت إلى محطة وقود محاذية لبوابة حدود طربيل، هبط السائق بحيوية فرحا، ملأ الخزان حتى ساح الوقود على الإسفلت، علّق أحد الركاب:
- سيبيع البنزين الفائض حالما يصل إِلى الأردن.
أردف راكب آخر:
- حتى السمن الحيواني والمخللات والأسماك يتاجرون بها هؤلاء السوّاق.
- لقد نقلوا كل خيرات العراق إِلى الأردن. يتبع..