الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬10‭)

بواسطة azzaman

تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬10‭)

حسن‭ ‬النواب

 

وفرٌ‭ ‬كثيف‭ ‬بدأ‭ ‬يتساقط‭ ‬من‭ ‬سماء‭ ‬تلبدَّت‭ ‬بغيوم‭ ‬دكناء‭ ‬عندما‭ ‬انصرفتُ‭ ‬عن‭ ‬السيدة‭ ‬الأسترالية‭ ‬التي‭ ‬أمضيتُ‭ ‬ليلتي‭ ‬معها‭ ‬ليلة‭ ‬أمس،‭ ‬قررت‭ ‬الاحتماء‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬كابينة‭ ‬تلفون‭ ‬عمومي‭ ‬ريثما‭ ‬يهدأ‭ ‬وابل‭ ‬البرَدْ،‭ ‬بدأتُ‭ ‬أتذكَّر‭ ‬عاصفة‭ ‬الصقيع‭ ‬التي‭ ‬حاصرتني‭ ‬عندما‭ ‬غادرت‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬شهر‭ ‬شباط‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬وانهالت‭ ‬التداعيات‭ ‬من‭ ‬مسارب‭ ‬ذاكرتي‭.. ‬مركبة‭ ‬الجمسي‭ ‬التي‭ ‬تقلني‭ ‬إِلى‭ ‬الأردن‭ ‬تنطلق‭ ‬بسرعة‭ ‬سهم‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬الأسفلتي،‭ ‬بعد‭ ‬عناقي‭ ‬لصديقي‭ ‬أبي‭ ‬شكري‭ ‬في‭ ‬مفترق‭ ‬الطريق‭ ‬السريع‭ ‬المؤدي‭ ‬إِلى‭ ‬طربيل،‭ ‬بينما‭ ‬ظلت‭ ‬كلماته‭ ‬الأخيرة‭ ‬تنهش‭ ‬بروحي‭ ‬حين‭ ‬اتسعت‭ ‬عيناه‭ ‬وحدق‭ ‬بوجهي‭ ‬كالمرعوب‭ ‬هاتفاً‭:‬

‭- ‬إياكَ‭ ‬أن‭ ‬تنسى‭ ‬العراق؛‭ ‬إياك‭… ‬

حتى‭ ‬غطت‭ ‬ملامح‭ ‬وجهه‭ ‬سحابة‭ ‬سوداء‭ ‬واستدار‭ ‬فجأة‭ ‬مبتعدا‭ ‬لئلا‭ ‬أرى‭ ‬الدمع‭ ‬الذي‭ ‬نزَّ‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬وهو‭ ‬يسحب‭ ‬خطواته‭ ‬كثمل‭ ‬يتعثر‭ ‬في‭ ‬الظلام‭. ‬كان‭ ‬السماء‭ ‬صافية‭ ‬مثل‭ ‬قلب‭ ‬أمي،‭ ‬لكن‭ ‬الطقس‭ ‬تبدل‭ ‬فجأة‭ ‬حين‭ ‬جنَّ‭ ‬الليل‭ ‬ولما‭ ‬أصبحت‭ ‬السيارة‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬ساعة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬حدود‭ ‬طربيل،‭ ‬هبت‭ ‬عاصفة‭ ‬ثلجية‭ ‬قاسية‭ ‬مباغتة‭ ‬والمركبة‭ ‬بدأت‭ ‬تشقُّ‭ ‬عباب‭ ‬الظلام‭ ‬بصعوبة‭ ‬بالغة‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬معبّد‭ ‬وسط‭ ‬ديجور‭ ‬مخيف،‭ ‬ساعة‭ ‬واحدة‭ ‬ونصل‭ ‬بوابة‭ ‬حدود‭ ‬طربيل،‭ ‬فجأة‭ ‬هبّتْ‭ ‬عاصفة‭ ‬ثلجية‭ ‬قاسية‭ ‬أربكت‭ ‬حتى‭ ‬السائق،‭ ‬خفَّفَ‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬المركبة‭ ‬ليتمكن‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬تحوّل‭ ‬إِلى‭ ‬بساطٍ‭ ‬أبيض‭ ‬تتخلَّلهُ‭ ‬ثقوب‭ ‬معتمة،‭ ‬بدأ‭ ‬محرك‭ ‬السيارة‭ ‬‮«‬يترتر‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬همد،‭ ‬أطلق‭ ‬السائق‭ ‬حسرة‭ ‬طويلة‭ ‬مشوبة‭ ‬بقلق‭ ‬واضح‭ ‬ثم‭ ‬نبس‭: ‬

‭- ‬لقد‭ ‬نفد‭ ‬الوقود‭.‬

صُدمنا‭ ‬حين‭ ‬سمعنا‭ ‬النبأ،‭ ‬فيما‭ ‬قال‭ ‬راكب‭ ‬يجلس‭ ‬بمقعد‭ ‬خلفي‭ ‬موبِّخاً‭ ‬السائق‭:‬

‭- ‬كان‭ ‬عليك‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بوقود‭ ‬احتياطي‭.‬

السائق‭ ‬أمضى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬يقود‭ ‬سيارته‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الخط‭ ‬كما‭ ‬عرفنا‭ ‬منهُ‭ ‬خلال‭ ‬الطريق،‭ ‬لكن‭ ‬العاصفة‭ ‬الثلجية‭ ‬جعلت‭ ‬محرك‭ ‬سيارته‭ ‬يستهلك‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬وقود،‭ ‬فلقد‭ ‬تعوَّدَ‭ ‬على‭ ‬ملأ‭ ‬خزان‭ ‬السيارة‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬وقود‭ ‬قرب‭ ‬حدود‭ ‬بوابة‭ ‬طربيل‭ ‬حتى‭ ‬يبيع‭ ‬ما‭ ‬فاض‭ ‬منهُ‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الأردن،‭ ‬العاصفة‭ ‬الثلجية‭ ‬أفسدت‭ ‬خطته‭ ‬ولذا‭ ‬بان‭ ‬على‭ ‬ملامحه‭ ‬الارتباك‭. ‬وها‭ ‬هي‭ ‬السيارة‭ ‬تجثم‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬الشارع‭ ‬بينما‭ ‬الصقيع‭ ‬يضرب‭ ‬بدنها‭ ‬بعنف‭. ‬كان‭ ‬الموقف‭ ‬يتطلب‭ ‬مغامرة‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬السائق‭ ‬حتى‭ ‬ينقذنا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المحنة،‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬مقعده‭ ‬معطفاً‭ ‬جلدياً‭ ‬وارتداهُ‭ ‬وأحكم‭ ‬إغلاقه‭ ‬ثم‭ ‬غطّى‭ ‬رأسه‭ ‬ووجهه‭ ‬بكوفية‭ ‬حمراء‭ ‬مرقطة،‭ ‬شدّها‭ ‬بقوة‭ ‬حول‭ ‬عنقه،‭ ‬عندما‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬المركبة‭ ‬هجمت‭ ‬نصال‭ ‬الثلج‭ ‬علينا،‭ ‬أغلقها‭ ‬بسرعة‭ ‬بعد‭ ‬هبوطه‭ ‬ليواجه‭ ‬عاصفة‭ ‬الصقيع‭ ‬بمفرده‭ ‬حاملاً‭ ‬بيده‭ ‬عبوة‭ ‬بلاستكية‭ ‬كأنه‭ ‬شبح‭ ‬من‭ ‬دخان‭ ‬رصاصي،‭ ‬لبث‭ ‬يلوّح‭ ‬بها‭ ‬أمام‭ ‬ضوء‭ ‬السيارات‭ ‬الخاطفة،‭ ‬عسى‭ ‬أنْ‭ ‬تقف‭ ‬إحداهنَّ‭ ‬وتمنحه‭ ‬لترات‭ ‬وقود‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬بها‭ ‬لحدود‭ ‬طربيل،‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬الركاب‭ ‬بهلع‭:‬

‭- ‬سيتجمد‭ ‬من‭ ‬البرد؛‭ ‬دعوه‭ ‬يرجع‭.‬

حرّكت‭ ‬يدي‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬النافذة‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬يراها‭ ‬ويعود‭ ‬إِلى‭ ‬مكانه،‭ ‬مركبة‭ ‬رباعية‭ ‬الدفع‭ ‬خطفت‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬المندوف‭ ‬بالصقيع‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬توقفت،‭ ‬ركض‭ ‬السائق‭ ‬نحوها،‭ ‬ملأ‭ ‬العبوة‭ ‬بالبنزين‭ ‬وعاد‭ ‬يهرول‭ ‬مترنحاً‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الريح‭ ‬وليغيب‭ ‬عن‭ ‬أنظارنا‭ ‬خلف‭ ‬سيارته‭ ‬لدقائق‭.. ‬حتى‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬جالسا‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬القيادة‭ ‬لاهثا‭ ‬وهو‭ ‬يرتعد‭ ‬من‭ ‬البرد،‭ ‬كانت‭ ‬يداه‭ ‬متخشبتان‭ ‬وقد‭ ‬تقوّست‭ ‬أصابعه‭ ‬كمن‭ ‬أصيب‭ ‬بصعقة‭ ‬تيار‭ ‬كهربائي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يقوى‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬فمه‭.. ‬صاح‭ ‬أحد‭ ‬الركاب‭ ‬يحثُّني‭:‬

‭- ‬أفرك‭ ‬يديه‭ ‬بسرعة؛‭ ‬سيموت‭ ‬الرجل‭.‬

أخذتُ‭ ‬أدلكُ‭ ‬بكفيّ‭ ‬السائق‭ ‬المثلجتين،‭ ‬بينما‭ ‬نهض‭ ‬أحد‭ ‬الركاب‭ ‬من‭ ‬مقعده‭ ‬وراح‭ ‬يمرّغ‭ ‬دون‭ ‬كلل‭ ‬بوجه‭ ‬ورقبة‭ ‬وصدر‭ ‬السائق‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬بغيبوبة،‭ ‬بعد‭ ‬دقائق‭ ‬سمعنا‭ ‬صوت‭ ‬شهيق‭ ‬يصدر‭ ‬منه‭.. ‬واصلنا‭ ‬تدليك‭ ‬جسده‭ ‬حتى‭ ‬استرد‭ ‬وعيه‭ ‬وتحرك‭ ‬دمه‭.. ‬قال‭ ‬أشبه‭ ‬بالثمل‭:‬

‭- ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬حدث؟

‭- ‬كدت‭ ‬تموت‭ ‬يا‭ ‬أخي‭.‬

نفخ‭ ‬يديه‭ ‬بقوة‭ ‬وحرَّك‭ ‬أصابعه‭ ‬ثم‭ ‬دوّر‭ ‬مفتاح‭ ‬التشغيل،‭ ‬هدر‭ ‬صوت‭ ‬المحرك‭ ‬وانطلقت‭ ‬‮«‬الجمسي‮»‬‭ ‬وعاصفة‭ ‬الصقيع‭ ‬مازالت‭ ‬تحاصرنا‭ ‬بقسوة‭.‬

لم‭ ‬نصدق‭ ‬أن‭ ‬المركبة‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬وقود‭ ‬محاذية‭ ‬لبوابة‭ ‬حدود‭ ‬طربيل،‭ ‬هبط‭ ‬السائق‭ ‬بحيوية‭ ‬فرحا،‭ ‬ملأ‭ ‬الخزان‭ ‬حتى‭ ‬ساح‭ ‬الوقود‭ ‬على‭ ‬الإسفلت،‭ ‬علّق‭ ‬أحد‭ ‬الركاب‭:‬

‭- ‬سيبيع‭ ‬البنزين‭ ‬الفائض‭ ‬حالما‭ ‬يصل‭ ‬إِلى‭ ‬الأردن‭. ‬

أردف‭ ‬راكب‭ ‬آخر‭:‬

‭- ‬حتى‭ ‬السمن‭ ‬الحيواني‭ ‬والمخللات‭ ‬والأسماك‭ ‬يتاجرون‭ ‬بها‭ ‬هؤلاء‭ ‬السوّاق‭.‬

‭- ‬لقد‭ ‬نقلوا‭ ‬كل‭ ‬خيرات‭ ‬العراق‭ ‬إِلى‭ ‬الأردن‭.    ‬يتبع‭..‬

 


مشاهدات 72
الكاتب حسن‭ ‬النواب
أضيف 2026/02/16 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/02/17 - 6:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 267 الشهر 13033 الكلي 13944677
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير