وزارة الثقافة .. سياسة ( الاذن الصماء ) والاهمال المتعمد تجاه الفرقة الوطنية للفنون الشعبية
سفراء الحفاء وعروش الإهمال.. كيف تصنع الفرقة مجد العراق بجيوب فارغة؟
عبد العظيم محمد
حين غابت الدبلوماسية الرسمية في فترات الحصار والحروب، وصمتت السياسة عاجزة عن ترميم صورة العراق في المحافل الدولية ، كانت هناك ثلة من المبدعين تحزم حقائبها ، ليس هرباً ، بل لتطوف العالم حاملةً هوية بلاد الرافدين . على مسارح باريس ، لندن ، روما ، والعواصم العربية ، دارت أجساد راقصي الفرقة القومية ( الوطنية حاليا ) للفنون الشعبية ليست مجرد فرقة راقصة ، بل هي سفارة ثقافية متحركة وتأريخ حي يختزل هوية وتراث دجلة والفرات .. وبصراحة نقول .. دارت اجساد راقصي الفرقة الوطنية للفنون الشعبية لتنثر حكايلت ( الهجع ) و ( الجوبي ) و ( سحر البصرة ) وبغداد متحولة عبر عقود الى سفير غير رسمي نقل نبض الشارع العراقي بابهى صورة حضارية .. لكن خلف هذه اللوحات البصرية المذهلة التي تسرق تصفيق الجماهير وتبكي المغتربين شوقا ، يختبىء واقع مرير بطعم الخذلان ، واقع يكشف كيف تجازي وزارة الثقافية في العراق صناع مجدها ..اذ لم تكن الفرقة مجرد مجموعة استعراضية ، بل كانت ( وزارة خارجية ثقافية ) موازية اذ طافت الفرقة بقاع الأرض وحصدت الجوائز الذهبية في المهرجانات الدولية ، مقدمة صك غفران جمالي لبلد شوهته أخبار الحروب .. لقد اثبت هؤلاء الفنانون ان العراق ليس ساحة صراع فحسب ، بل هو خزان وعي وفلكلور حي يرفض الموت ، داخل العراق ، كانت الفرقة صمام امان للهوية الوطنية الموحدة ، ممتدة من جبال كردستان الى اهوار الجنوب لتنثر اجمل الحكايات بلوحات تعبيرية فائقة الجمال متحولةً عبر العقود إلى سفير غير رسمي ... فمن يرى بريق العروض على المسارح لا يتخيل حجم البؤس خلف الكواليس .. وإليكم الحكاية .. تعاني الفرقة
الوطنية للفنون الشعبية من إهمال متعمد وممنهج من قبل وزارة الثقافة والسياحة والآثار. بلا دعم مالي حقيقي ، ( بلا ميزانيات ) تليق بملابس العرض أو السفر ، ( وبلا لوجستيات ) تحمي كرامة الفنان العراقي. يبدو أن البيروقراطية الوزارية غارقة في "موت سريري" تجاه الفنون الحية، تاركةً إرثاً وطنياً يواجه الاندثار والنسيان دون أدنى شعور بالمسؤولية الأخلاقية أو الوطنية. ويمثل هذا التناقض فجوة مؤلمة وغالبا ما يتكرر في المشهد الثقافي حيث تتحول الفرقة الوطنية للفنون الشعبية الى ( سفير فوق العادة ) يحمل هوية العراق ، وارثه الجمالي الى مسارح العالم ، في الوقت الذي تعاني فيه داخليا من التهميش أو ضعف الدعم المؤسساتي .. لقد نجحت الفرقة بجهود فنانيها وتاريخهم النضالي على الخشبة في بناء علامة فارقة لوزارة الثقافة والسياحة والاثار ، بل والدولة العراقية باكملها ، ورغم ذلك تجد هذه الطاقات نفسها التي تقدم لوحات رصينة وفق سيناريو دقيق يعكس ثقافة وحضارة العراق في واد معزول تحارب فيه من اجل البقاء ، وتوفير ابسط مقومات الاستمرار والتجديد، بينما تدور البيروقراطية الوزارية في واد اخر بعيد عن نبض الميدان وتحديات اليومية .. ان هذا الاغتراب بين ( الفرق والمنتج الإبداعي ) يطرح تساؤلا جوهريا حول اولويات الملف الثقافي وهنا تبرز غياب الرؤية الاستراتيجية وبالذات حين تعامل الفرقة كاداة للمناسبات الموسمية فقط ، دون استثمارها كمشروع وطني مستدام يحتاج الى تمويل ورعاية صحية وفنية لاعضائها وتحديث للمعدات والمسرح هنا تكمن المشكلة .. ان الفن يحتاج الى مرونة ودعم مرن وسريع ، بينما الهياكل الادارية غالبا ما تكبل هذه الحركة بحسابات وأوراق تؤخر الإنتاج وتحبط المبدعين .. وعليه نقول ان بقاء الفرقة تناضل لوحدها هو استنزاف لإرث عراقي حي .. والسؤال هل ان هذا الانفصال يعود لضعف التخصيصات المالية ام لغياب الكفاءات الثقافية في مراكز القرار التي تدرك القيمة الحقيقية ل ( القوة الناعمة ) ؟ حتى وصل الحال الى مرحلة تدعى الفرقة رسميا لتمثيل العراق في المحافل الدولية وتقابل ب ( فيتو ) مالي او بيروقراطي يمنعها من السفر بسبب ( تذاكر طيران ) فهذا يعكس خللا بنيويا وفجوة عميقة بين القيمة الرمزية للفن وبين العقلية الادارية غير الواعية التي تديره .. ويمكن تفكيك هذه الاشكالية عبر النقاط التالية : غياب الرؤية الاستراتيجية ل ( القوة الناعمة ) ... الدول اليوم تنفق الملايين لبناء صورة ذهنية ايجابية عبر الفن والثقافة ، عندما يمتلك العراق فرقة جاهزة ولها تاريخ حافل بالجوائز والاعتراف الدولي وتأتيها الدعوات دون عناء ، فإن عدم استثمار هذه الفرقة يعد غباء وهدرا لفرص دبلوماسية وثقافية لا تعوض .. وهنا تبرز البيروقراطية القاتلة والتقشف غير المبرر .. اذ ان كثيرا ما تبرر الوزارات مثل هذه المواقف ب ( عدم توفر التخصيصات المالية ) او ( تأخر الموازنة .. لكن عندما يتعلق الامر بوفد في مناسبة بائسة لا اثر لها يمثل اسم جمهورية العراق فان ايجاد حلول استثنائية او تفعيل الشركات الراعية يصبح ( واجبا وطنيا ) وليس ترفا اداريا ولنتحدث بصراحة .. ان كل جائزة او ثناء نالته هذه الفرقة عبر عقود لم يسجل باسماء افرادها مجردين ، بل سجل في السجلات الدولية باسم ( العراق ) وضخم به رصيد وزارة الثقافة نفسها وهي خارج الحسبة كما يقال بالتالي فان الامتناع عن دعمهم في لحظات استحقاقهم الدولي هو نوع من ( الجحود الغبي المتعمد ) الذي يقتل الشغف لدى الفنانين ويدفع بالكوادر الطليعية نحو الاحباط او الهجرة .. ان إهمال هذه القامات والفرق التي تحمل الهوية العراقية الخاصة( من المربع البغدادي الى الدبكة الكردية والرقص الريفي الجنوبي ) يساهم في تغييب وجه العراق الحضاري في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لابراز هذا التنوع والجمال للعالم .. ان هذا الطرح يمس ( جرحا غائرا ) في جسد الثقافة العراقية ، ويسلط الضوء على مفارقة مؤلمة تعيشها كبرى المؤسسات الإبداعية في البلاد وليدرك المعني الوزير الذي لا يدرك اي شيء مع الاسف كما هم من سبقوه .. إذا كان استمرار هذه الفرقة في العطاء حتى يومنا هذا يُعد "معجزة" بكل المقاييس، فإن لهذه المعجزة اسماً وعنواناً: هو الفنان والمخرج المثابر فؤاد ذنون .. ذنون لم يكن مجرد قائد إداري أو مصمم رقصات، بل تحول إلى خط الدفاع الأخير عن هذا الكيان . بجهود شخصية ، وبعناد المبدع الرافض للإنكسار ، وبتمويل يغلب عليه الطابع الذاتي والروح التضامنية ، يواصل ذنون قيادة دفة الفرقة وسط أمواج الإهمال الحكومي المتلاطمة . إنه يشتري كرامة الفن العراقي من جيبه الخاص ومن هيبته الفنية ، ليظل العطاء مستمراً رغم جفاف الدعم الرسمي إيمانا منه ان للفرقة عملها الوطني المؤثر في الداخل والخارج
صرخة أخيرة:
إن استمرار الفرقة الوطنية للفنون الشعبية بفضل حماس قائدها فؤاد ذنون وإخلاص راقصيها هو إدانة صارخة لوزارة الثقافة، وليس وساماً تتباهى به الوزارة في تقاريرها السنوية. الفن الذي حفظ ماء وجه الثقافة العراقية في الخارج يستحق الدعم لا الصدقة ، ويستحق التكريم لا التهميش والمماطلة ، فهل من مجيب قبل أن تنطفئ آخر أنوار المسرح الفلكلوري العراقي؟
واخيرا اقول ان وزارة الثقافة والسياحة والآثار العنوان الكبير بلا فعل يذكر تحتاج اليوم الى وقفة حقيقية واعادة ترتيب أولوياتها، لتدرك ان تذكرة سفر لفرقة تحمل اسم العراق قد تفعل في تحسين صورة البلاد ما لا تفعله عشرات المؤتمرات الجامدة .. اللهم بلغت اللهم فاشهد