نقطة ضوء
برامج لطفولة منتهكة
محمد صاحب سلطان
أثناء بدء العطلة الصيفية لطلبة المدارس، لفت إنتباهي، إنغماس الأطفال بإلعابهم الألكترونية حد التقاطع مع ما يسمعونه من أهاليهم ومعلميهم، هذا الهوس ولد أيضاً حالات التشبع بأفكار قد لا تتحملها عقولهم الطرية، لذا تجدهم منكبين على الدوام على تلك الأجهزة وما تحمله من نتوءات السوء التي باتت تنتشر كالنار في الهشيم، وفي جميع الأوقات حتى ما عادوا يعرفون صباحهم من مسائهم!، فلقد قلبت ساعاتهم البايلوجية وبات نهارهم ليلا وليلهم نهارا، وإذا ما منعوا عنها، توجهوا نحو التلفاز بشاشاته الذكية المرتبطة بالنت، وهكذا هم اليوم في عطلتهم، قطعوا تواصلهم مع الأنشطة الرياضية والنزهات وأتجهوا نحو عالمهم الإفتراضي حد التوحد، لا يستطيعون الفكاك منه، والسبب يكمن في عجز المضامين التي تقدمها الجهات الإعلامية الوطنية، وتحديدا الفضائيات العربية الساهية عنهم والمنشغلة بإجندات لا تهمها حاجات وإهتمامات شباب المستقبل، كون مضامين برامجها تعاني أزمة كبيرة وخطيرة في المضمون والشكل، كما تعاني أزمة أكثر في التوجيه والتنسيق والتخطيط، فالمضامين الموجه للطفل من قبل تلك الفضائيات، ما زالت تتخبط بإتجاهين يمتازان بالسلبية، هما بث كل ما يصل إليها من برامج للطفل من دون تمحيص، والثاني عدم إدراك أهمية التخطيط التربوي المناسب لإعمار وقدرات الطفل، بزج محتوى أعد وأنتج إرتجاليا، فجاءت بعيدة كل البعد عن رغبات وطموحات طفل اليوم، مما ترتب -للإسف- عدم تفهم القائمين على إدارة البرامج للآثار الثقافية والنفسية وتجاوبها مع عقله وإنفعالاته وعواطفه ومشاعره وأحاسيسه، وبما يرغب ويريد ؟، وما هي الأسئلة التي تدور في ذهنه؟ وهو يتلقى رسائلهم الإعلامية العشوائية والهجينة في غالب الأحيان ،، كما إن عليها اليوم أن تعي وتدرك أبعاد ما يضمر من شر لبلداننا، وعلى حضارتنا وثقافتنا ،، بيد أن الذي يقدم اليوم للطفل من زاد ثقافي بائس، لا يمنحه أدنى المقومات الأساسية لطفولته، كما ينبغي أن يعيشها ويتمتع بمباهجها وبرائتها، ويبني خطوات مستقبله عليها، والسبب يعود كما ذكرت إلى إنعدام التخطيط المدروس في كيفية مخاطبة حواس وعقول أطفالنا وصقل شخصياتهم وإشباع حاجاتهم النفسية والإجتماعية، ولذلك نحن اليوم بأمس الحاجة إلى مراكز بحثية تتولى دراسة وتحليل البرامج الوطنية والمستوردة لمعرفة إختيار ما يقدم منها أو تعديلها بما يلائم قيمنا الروحية ومعتقداتنا، ووقف سيل ما يقدم من مسلسلات وأفلام وألعاب، تدس السم بالعسل كما يقال، بحجة الترفيه والمتعة؟.
ولهذا نشاطر رأي المختصين في العلوم السلوكية والنفسية فيما ذهبوا اليه، من إن الطفل لا ينمو نموا نفسيا مناسبا إلا إذا توفرت له بيئة غنية مليئة بالمثيرات الثقافية التي تتحدى طاقاته الذهنية، ومفعمة بالخبرات الإنفعالية والإجتماعية، التي تعمل على غرس سمات إنفعالية مرغوبة فيها، يحرص الكبار على غرسها لديه، كما إن الطفل لا ينمو نموا متكاملا إلا إذا كانت هنالك خبرات مقصودة يتعرض لها، فيكتسب من خلالها تلك الحوافز التي تعمل على توجيه نشاطه، وجهة تؤدي إلى تحقيق وجوده كإنسان، وهذا ما تسهم به البرامج التلفازية بشكل كبير، والطفل لا ينمو نموا نفسيا سليما إلا إذا توفرت له فرص متعددة، ومتنوعة لإشباع حاجاته النفسية، إشباعا معتدلا، لا حرمان بالمطلق ولا مبالغة في هذا الإشباع.. ولإجل ذلك أتسائل ومعي الكثيرين، هل فهمت التلفزيونات والفضائيات العربية، الدرس؟ وهل إتعظت من العبر أم تبقى تلتهم ما يرسله العم سام من سموم بدلا من حبوب العافية؟ وتلك هي المسألة!؟.