الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نكتبُ للتاريخ لا للمجاملةِ والثناءِ والتزييف

بواسطة azzaman

نكتبُ للتاريخ لا للمجاملةِ والثناءِ والتزييف

محمد خضير الانباري

 

      في زمنٍ اختلطتْ فيهِ الحقيقةُ بالدعاية، أصبحَ بعضَ الكتاب أو الأقلام بمختلف مسمياتها، وللأسف، يمارسونَ دورَ المروجِ لا دورَ المؤرخ، فيكتبونَ المقالاتِ أو الأقوال، لا منْ أجلِ الوطن، بلْ منْ أجلِ تسويقِ شخصياتٍ سياسيةٍ أوْ مسؤولينَ في مؤسساتِ الدولة، تمهيدا لإعادتهمْ إلى المناصبِ أوْ ترشيحهمْ لمواقعَ جديدة، فتكتبُ الكلمات أحيانا بمدادِ المصالح، لا بصدقِ الضمير، فتتحولُ شهادةُ التاريخِ إلى إعلانٍ دعائيٍ فاقدٍ للقيمةِ الوطنيةِ والأخلاقية.

        إنَ التاريخَ لا يحفظُ عباراتِ المديحِ الزائف، بلْ يحفظُ المنجز الحقيقي، فلا قيمةً لمسؤولٍ لمْ يقدمْ للعراقِ مشروعا علميا أوْ اقتصاديا أوْ إنسانيا، ولمْ يتركْ أثرا في الطبِ أوْ الهندسةِ أوْ التعليمِ أوْ الصناعةِ أوْ محاربةِ الفساد، ثمَ يأتي منْ يصفهُ ب الوطنيِ الكبيرِ " أوْ " رجل المرحلة، فالوطنُ لا يبنى بالخطبِ المتكررةِ في الدواوين، ولا بالأحاديثِ المستهلكةِ في المقاهي، بلْ يبنى- بالفعل- والعمل والتضحية.

  لقدْ اعتادَ البعض، على تزييفِ الحقائقِ، بينما الحقيقةُ التي تبقى ثابة ، فالتاريخُ مهما تأخر، يكشفْ الزيف، ويسقطُ الأقنعة، لأنَ الشعوبَ لا تنسى منْ خدمها بصدق، ولا تغفرُ لمنْ استغلَ المناصبَ للإثراءِ والنفوذ.

      عندما نكتبُ شهادةً للتاريخِ بحقِ أيِ شخصيةٍ عامة، يجبُ أنْ نسألَ بوضوح: ماذا قدمَ هذا المسؤول للعراق؟ ما مشروعهُ الوطنيُ الحقيقي؟ كيفَ كانتْ أوضاعه المالية قبلَ المنصب؟ وكيفَ أصبحتْ بعدة؟ هلْ عاشَ زاهدا بخدمةِ الناس، أمَ جمعِ العقاراتِ والثرواتِ على حسابِ الفقراء؟

      إنَ الموازنةَ الحقيقيةَ ليستْ بينَ مسؤولٍ وآخر، بلْ بينَ سلوكِ السلطةِ اليومَ وقيم العدالةِ والزهدِ التي جسدها الإمامُ عليّ بن أبي طالبٍ عليهِ السلام، الذي حكمَ دولةً واسعة، وهوَ يعيشُ حياةَ الفقراء، لا يكدسُ المال، ولا يبني القصور.

      لقدْ خلدَ القرآنُ الكريمُ صورةَ أهلِ البيت- عليهمْ السلام- في أسمى معاني الإيثارِ والتضحية، فقالَ تعالى: (ويطعمونَ الطعامَ على حبهِ مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكمْ لوجهِ اللهِ لا نريدُ منكمْ جزاءً ولا شكورا) سورةْ الإنسان: 8- 9 فهذهِ الآية الكريمة، نزلتْ في بيتِ الإمامِ عليٍ وفاطمةِ الزهراءِ عليهما السلام، حينَ قدموا طعامهمْ للمسكينِ واليتيمِ والأسيرِ رغمَ حاجتهمْ وجوعهم، بينما كانَ الحسن والحسين- عليهما السلام- صغارا يتألمونَ منْ الجوع. فاطمةُ الزهراء، وهيَ ابنةُ رسولِ الله، وزوج الإمام علي، وأمّ سبطيْ الأمة، لمْ تجعلْ منْ مكانتها وسيلة لجمعِ المالِ أوْ النفوذ.

        لقدْ كانتْ نموذجا للعطاءِ والصبرِ والطهارة، هكذا تكتبُ الشهادات للتاريخِ … لا بتضخيمِ الأشخاص، ولا بتلميعِ الفاسدين، بلْ بذكرِ الحقيقةِ كما هي، مهما كانتْ مؤلمة، فالأممُ التي تقدسُ المنافقينَ تسقط، أما الأممُ التي تواجهُ الفساد بالحقيقة، فتبقى حيةً في ضميرِ التاريخ.

     إنَ الوطنَ اليومَ بحاجةٍ إلى قلمٍ شجاع، لا يخافُ منْ كشفِ الفاسدين، ولا يبيعُ ضميره مقابلَ منصبٍ أوْ منفعة. فالكلمةُ أمانة، والتاريخ لا يرحم، وسيأتي يومُ تفتحٍ فيهِ كلّ الملفات، ويعرفُ منْ خدمِ العراقِ بإخلاص، ومنْ استغلَ آلامَ شعبهِ لبناءِ مجدهِ الشخصي.


مشاهدات 213
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/05/23 - 2:59 AM
آخر تحديث 2026/05/23 - 7:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 378 الشهر 21936 الكلي 15867130
الوقت الآن
السبت 2026/5/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير