السياق والتموضع النصّي.. في نصوص حين يصمت التمثال
علاء حمد
عندما ندخل إلى نظريّة السياق، فإنّ ذلك يعني دخولنا إلى الأسلوبيّة والعلاقات القائمة بين التموضع النصّي، وعلاقة الشاعر بكلّ من الأمكنة، والزمنيّة، والأوضاع التي تدفعه إلى كتابة النصّ. وعندما نكون داخل الحدث النصّي، فهذا يعني ملائمة السياق في المنظور النصّي؛ إذ لا نصّ من دون سياقٍ مؤسِّس، وآخر يعتني بتركيب المفردات وتوليدها، بحيث يكون للمعنى الدلالي خصوصيّة نصّيّة قد لا تتكرّر في نصوصٍ أخرى. ومن هنا، يكون للسياق المعنى الجزئي، وللنصّ المعنى الكلّي، وفي هذه المناطق نصطدم بكثيرٍ من المداخل والمطالع التي تقودنا إلى التوسّع النصّي وإلى ما لا نهاية.
وفي المنطقة النصّية نستخلص أنّ هناك سياقاً لغويّاً، وآخر غير لغوي، يعتمد المؤثّرات البيئيّة، وخصوصاً بيئة الشاعر التي نؤكّد عليها؛ من ظروفٍ سياسيّة، ونفسيّة، وتاريخيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة. ويكون للمحسوس الخارجي علاقةُ تواصلٍ مع الأحداث النصّية؛ إذ يتداخل الحسّي مع اللاحسّي، والمرئي مع اللامرئي. ومن هنا، فإنّ النصّ يقوم على علاقتين: علاقة التماسك النصّي من خلال أدواته وسبل اندماجها، وعلاقة الأثر والتأثير التي تُكوّن مساحةً جاذبة في وعي المتلقي. وهذا ما يؤكّد التأثير السياقي في تأسيس النصّ، ومن خلاله يمكن الوقوف عند المعنى السياقي الدلالي
(إنّ المعنى هو مجموعة من الملامح المفهوميّة التي يتشكّل، بفضل بنيتها الخاصّة، معنى العلامة؛ وتأتي علاقة السياق بالمعنى من كون العديد من الملفوظات لا يمكن تحديد معناها بدقّة إلا بمعرفة السياق الذي وردت فيه. وفي هذا الصدد يقول بيير غيرو: » إنّ الغموض الذي يلفّ العلامة المتعدّدة الدلالات يزول حين توضع في سياقها.« علي آيت أوشان – السياق والنصّ الشعري – ط1، لسنة 2000م، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 36).
وقد تكون هناك جمل متعدّدة تعتني بالقول المكتوب من أجل إنتاج المعنى، أو قد نكتفي بجملةٍ واحدة في المنظور النصّي الشعري لظهور المعنى. وما دام النصّ يعتمد على مكوّناتٍ سياقيّة، فإنّ التعدّديّة تبقى واردة في المنحى النصّي وفي الصيغة المعتمدة. ونبقى مع الشاعر العراقي أمير الحلاج وما قدّمه من نصوص مختلفة في مجموعته الشعريّة التي حملت عنوان: حين يصمت التمثال.
هل ثمّة تعليلٌ
يشرحُ الصدورَ،
ويفسّر هولَ الواقعة؟
هل ثمّة مفتاحٌ
أمام الجدران الصامدة،
ينثرُ ابتسامته
كقطع الحلوى،
ويزرعُ في الغيوم المتقطّعة
حروفَ الخروج إلى سلّم الضوء؟
من قصيدة: دائرة الاحتواء – ص 5
ومن خلال التموضع المتقارب بين النصّ والباثّ، وبين الباثّ ومواقع الحدث النصّي، نلاحظ أنّ البنية الحسّيّة تقود المتلقي إلى موضوعيّة النصّ، وكيفيّة التعامل مع المفردات من جهةٍ، ومع التركيب الجديد لهذه المفردات من جهةٍ ثانية. ولذلك فإنّ ما نؤكّد عليه هو العام، والخاص، والمشترك؛ إذ تشكّل هذه المنافذ الثلاثة تموضع التشكيل النصّي، وضرورة ظهور المعاني عبر الأسباب النفسيّة، والمقاميّة، والصوتيّة، والجماليّة؛ وكلّها تسهم في بناء السُلَّم السياقي وكيفيّة التعامل معه.
هل ثمّة تعليلٌ + يشرحُ الصدورَ + ويفسّر هولَ الواقعة؟ + هل ثمّة مفتاحٌ + أمام الجدران الصامدة + ينثرُ ابتسامته + كقطع الحلوى + ويزرعُ في الغيوم المتقطّعة + حروفَ الخروج إلى سلّم الضوء؟
وعندما يثير الشاعر هذه الأسئلة، فهذا يعني أنّ النصّ ملتزمٌ بحالاتٍ استدلاليّة؛ أي أنّ هناك نتائج نصّية تنبثق من اتجاهين: اتجاه المعنى المؤوّل المرتبط بالدلالة، واتجاهٍ حِجاجيّ يرتبط بالسياق الخارجي بوصفه مرجعاً دلاليّاً تأثيريّاً. ويندمج هذا المرجع مع السياق النصّي لتشكيل وحداتٍ دلاليّة تمتدّ داخل معاني النصّ. ومن هنا، نلاحظ أنّ الشاعر أمير الحلاج أثار أسئلةً من دون أن ينتظر أجوبةً عليها؛ إذ يشكّل كلّ سؤالٍ آليّةً استدلاليّة، يبرّر من خلالها حرصه على بناء المتعة النصّية، حيث تتحوّل كلّ آليّة إلى شبكةٍ من العلاقات. أمّا المتعة التي نقصدها، فهي مدى ارتباط الأسئلة بنصّيّة النصّ ذاته
نستنتج من خلال ذلك وجودَ جدولٍ توضيحيّ للمعنى أوّلاً، ولتموضع السؤال وعلاقته اللغويّة ثانياً. فعلى سبيل المثال، يذكر الشاعر عبارة: «هول الواقعة»، حيث يدلّ على وجود حدثٍ ما اندمج مع النصّ. وكذلك يرمز إلى «المفتاح»، بما يوحي بوجود بابٍ مغلق يسعى إلى فتحه. وقد زخرف الشاعر أمير الحلاج أسئلته بحالاتٍ من التشبيه والاختلاف اللغوي، من أجل إثارة متعة القراءة لدى المتلقّي.
(إنّ إشكاليّة التلقّي والتأثير، أو الوقع الذي يحدثه العمل في المتلقي، تعود بنا إلى المسألة التأويليّة المتعلّقة بمعرفة الدور الذي تؤدّيه ثنائيّة «السؤال – الجواب» في عمليّة الانتقال من تشكّلٍ أحاديّ البعد للمعنى إلى تشكّلٍ جدليّ له. هانس روبرت ياوس – جماليّة التلقي: من أجل تأويل جديد للنصّ الأدبي – ترجمة وتقديم: د. رشيد بنحدر، ط1، لسنة 2016 م، دار كلمة للنشر والتوزيع، بيروت، ص 131).
في الإطار الخالي من الصورة
منذ سنين أطيلُ التأمّل،
وأسأله عن جدوى ملازمة الجدار.
منذ سنين،
والسؤالُ يلدُ السؤالَ،
والجوابُ
في انتظار ما يحفّزه ليُغلق الباب.
منذ سنين،
حين كنتُ بجلدٍ لم يثلمْ نضارتَه الهمُّ،
ولم يحدث أن جرحتْه شفرةُ الحلاقة،
أو سحجةٌ يُحدثها السقوط.
من قصيدة: إطار بلا صورة – ص 16
يعمل السياق على تحقيق التماسك النصّي، وعند الدخول إلى المعاني الداخليّة نلاحظ وجود مناطق دلاليّة تتشكّل من خلال التوظيف السياقي والتركيبي. ومن هنا، تصبح القرائن التوضيحيّة هي الوسيلة التي نتعامل بها مع وضوح المعنيين: الأصلي والمختلف؛ إذ يؤدّي السياق، بشقيه اللفظي والحالي، دوراً في تعيين المعنى اللفظي المحتمل. غير أنّ المعنى المُضمَر هو الذي نسعى إلى الكشف عنه عبر الرمزيّة من جهة، والاختلاف اللغوي من جهةٍ ثانية.
في الإطار الخالي من الصورة + منذ سنين أطيلُ التأمّل + وأسأله عن جدوى ملازمة الجدار + منذ سنين + والسؤالُ يلدُ السؤالَ + والجوابُ + في انتظار ما يحفّزه ليُغلق الباب + منذ سنين + حين كنتُ بجلدٍ لم يثلمْ نضارتَه الهمُّ + ولم يحدث أن جرحتْه شفرةُ الحلاقة + أو سحجةٌ يُحدثها السقوط.
وأبرز ما نلاحظه في المنظور النصّي هو العلاقة بين العنونة والسياق؛ إذ ارتبطت الصياغة في المتن بالمطلع الأوّل للنصّ. ومن هنا تتجلّى خصوصيّة النصّ عبر عتبةٍ متقدّمة تتبع عتبة العنوان وتنبثق منها، مع أنّ العنوان يشغل العتبة العليا في النصّ. غير أنّنا نُقدّر المعنى من خلال السياق وعلاقته التواصليّة بالعنونة.
وعندما يُدخلنا الشاعر أمير الحلاج إلى النصّ، فإنّه يطرق المعنى بصيغةٍ مختلفة: «إطار بلا صورة» = «في الإطار الخالي من الصورة»؛ فالمسند الذي اعتمده الشاعر يقوم بوظيفة القرينة المرتبطة بالعنونة.
ومن خلال القول والموقف القولي، يكرّر الشاعر جملة «منذ سنين»، فيمنحها وظيفةً قوليّة ترتبط بالمعنى المُضمَر. ويبدو أنّ هذا التكرار خضع لمؤثّراتٍ قرائنيّة، حيث منحت الجملة تواصلاً لغويّاً داخل السياق المكتوب، ممّا أدّى إلى تشكيل هيمنةٍ تردّديّة للقناة التعبيريّة التي اعتمدها الشاعر.
حين يصمتُ التمثالُ،
ثمّة خللٌ
تجسّد فيه،
أو خيّمَ عليه،
فانفتحتْ نوافذُ التأويل.
هل أزاميلُ النحّاتِ،
بحجّة الترميم،
مارست القسوةَ،
وأمعنت في التنكيل،
ومدّت أذرعها
سعياً لتحوير سبيلِ الرؤية؟
من قصيدة: تمثال في الساحة – ص 46
يخضع النصّ الشعري لأفكار الشاعر؛ لذلك نلاحظ أنّ السياق الذاتي حاضرٌ في ترجمة تلك الأفكار، والنوايا، والمقاصد داخل المنظور النصّي. ومن هنا، يغدو النصّ نصّاً علائقيّاً بين الذات التي تعمل على توسيع سياقها، والاندماج مع السياق الداخلي، باعتبار أنّ المحسوس الخارجي يتفاعل مع السياق الخارجي، والأخير يدخل عبر المؤثّرات والعلاقات النصّية؛ حيث تتجلّى استجابة الشاعر من خلال مواقف نفسيّة واجتماعيّة.
حين يصمتُ التمثالُ + ثمّة خللٌ + تجسّد فيه + أو خيّمَ عليه + فانفتحتْ نوافذُ التأويل + هل أزاميلُ النحّاتِ + بحجّة الترميم + مارست القسوةَ + وأمعنت في التنكيل + ومدّت أذرعها + سعياً لتحوير سبيلِ الرؤية؟
ومن خلال السياق والسياق النصّي نحصل على لغةٍ سياقيّة، ويكون للمعنى تموضعه الخاصّ؛ إذ تتجلّى الأشياء والعلاقات القوليّة بدرجةٍ من الدقّة والوضوح. ومن هنا يمكن أن نكون أمام أيقونةٍ للمعنى؛ فقد تطرّق الشاعر إلى قصديّة التأويل، ليقودنا نحو تفكيك المعنى ورفض المعنى الجاهز، ومن خلال القول النصّي يكسر اليقين الدلالي، لأنّ النصّ لا ينتمي إلى الانغلاق.
فالتمثال لم يُستَنطَق بوصفه شيئاً جامداً فحسب، بل بوصفه علامةً نصّية أيضاً؛ ومن هنا استنطق الشاعر النصّ ذاته، فتحوّل القول إلى نوعٍ من التفعيل النصّي. وهذه هي الحجّة التي رسمها الشاعر من خلال المعنى التشبيهي الضمني من جهة، والمعنى المُضمَر الذي أراد الكشف عنه من جهةٍثانية.
(نقول إذن إنّ فعل القول، من الناحية الجوهريّة، هو مجموعة الظواهر التي يمكن ملاحظتها حينما تتحقق ضمن فعلٍ تواصليّ معيّن. كاترين كيربرات - أوريكيوني – فعل القول: من الذاتيّة في اللغة – ترجمة: محمد نظيف، ط1، لسنة 2007م، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ص 40).
استنطاق النصّ
من الممكن تحويل القول إلى نموذجٍ في التفعيل الذاتي، وآخر في التفعيل الكتابي، بحيث يتحقّق اندماجٌ قوليّ عبر آليّات مترابطة بين التأويل والفعل الكتابي. وقد يبدو للوهلة الأولى أنّ هذا الترابط يتكوّن من وحداتٍ مستقلّة، غير أنّه، في حقيقته، نتاجاتٌ متراكمة تنشأ من تداخلاتٍ فكريّة تتعلّق بالقول الذاتي. لذلك نؤكّد، في بعض الأحيان، على المتعلّقات الذاتيّة التي تُثير لدى المتلقي تأمّلاً ذاتيّاً منبثقاً من فعل القول الكتابي، وهو ما يمكن تسميته بـ «القول التأمّلي»، بوصفه أحد أنماط القول وتجلّياته في النصّ الأدبي الحديث.
لستُ خيطاً لنتعانق،
فمروري عسيرٌ،
وذائقتي ليست على حال البدء الأوّل،
وسيرتي تأنف التكرار.
ما أمقته هو المحاولات المتتاليّة،
فالفوز لا يحدث دائماً،
والغنيمة ليست بالضرورة هي الجائزة.
من قصيدة: خرم إبرة – ص 68
عندما نكون في منطقة «قول الممكن»، فإنّنا نكون داخل التفكير الفلسفي للنصّ؛ حيث تغدو المقدّمة متّصلة بالنتيجة اتصالاً دلاليّاً. فحين تكون مقدّمة القول صادقة، تميل النتيجة إلى الصدق أيضاً. وعندما ندخل منطقة اللغة، فإنّنا نستحضر فلسفة اللغة، وعلاقة اللغة بالمعنى، وباللغة الحِجاجيّة. وما قدّمه الشاعر العراقي أمير الحلاج لا يقوم على البراهين المباشرة، بل على الانفتاحات ومصادر المعرفة النصّية؛ إذ ينبع النصّ من الذات ومعرفتها الحِجاجيّة، ويتّجه في الوقت نفسه إلى الذات ومعرفتها التأويليّة.
لستُ خيطاً لنتعانق + فمروري عسيرٌ + وذائقتي ليست على حال البدء الأوّل + وسيرتي تأنف التكرار + ما أمقته هو المحاولات المتتاليّة + فالفوز لا يحدث دائماً + والغنيمة ليست بالضرورة هي الجائزة.
ومن الممكن التطرّق إلى دلالة السياق، ما دامت القصديّة ترتبط بالمعنى ارتباطاً دلاليّاً. ومن هنا، يكتسب السياق ومفاهيمه الدلاليّة، كالمعرفة، والمعنى، والمرجعيّة، وخصوصيّة النصّ وعلاقاته السياقيّة، أهميّةً خاصّة. ومن خلال السياق، وما آلت إليه الكتابة، نستطيع استنطاق النصّ؛ فقد استطاع الشاعر أمير الحلاج أن يستنطق الأشياء أيضاً، إذ جعل «الخيط» كائناً حركيّاً يجيد العناق. وهذا التشبيه يدفعنا إلى متابعة ما يفيض به النصّ من استعارات، وتشبيهات، ومعايَ غرائبيّة تُظهر لذّة النصّ وجماليّته.
وعندما استحضر الشاعر بعض الأشياء، فإنّه لم يستحضرها بوصفها أشياء جامدة، بل من خلال ابتكارٍ ذهني؛ أي إنّ المعرفة الذاتيّة كانت تعمل على إنتاج قرائن إشاريّة يلمّح عبرها إلى معايَ ومقاصد متعدّدة.
.........
حين يصمت التمثال
مجموعةٌ شعريّة تقع في 137 صفحة من القطع الوسط، وتضمّ عدداً من النصوص التي تراوحت بين الطول والقصر. وقد استطاع الشاعر العراقي أمير الحلاج أن يستنطق تلك النصوص من خلال تأسيسٍ سياقيّ ظهر بين المعنى المُضمَر والوضوح التخييلي؛ ولذلك تشكّل كلّ نصّ بوصفه صيغةً فنّيّة تصوغ القول بطرازٍ جديد، معتمداً على بناء الغرائبيّة والعجائبيّة في طرح معانيه.