الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ترامب ما بعد بكين.. من حرب الحصار إلى هندسة الشرق الأوسط الجديد

بواسطة azzaman

ترامب ما بعد بكين.. من حرب الحصار إلى هندسة الشرق الأوسط الجديد

ثائر العجيلي

 

المقدمة:

لم تعد زيارة الرئيس الأميركي ترامب إلى بكين مجرد محطة دبلوماسية عابرة يمكن اختزالها بصور المصافحة أو البيانات الاقتصادية. فالزيارة التي بدأت اليوم وتمتد لأيام قليلة، تجري فوق واحدة من أخطر اللحظات الاستراتيجية في العالم منذ نهاية الحرب الباردة.

في الظاهر، تبدو القمة تفاوضًا بين أكبر اقتصادين في العالم. لكن في العمق، تستضيف بكين رئيسًا أميركيًا يقف في قلب معركة متعددة الطبقات:

حرب أميركية-إسرائيلية ضد إيران، حصار اقتصادي متبادل،شرق أوسط يُعاد تشكيله بالنار والطاقة والممرات البحرية،وصين تراقب المشهد بوصفها القوة التي تحاول إدارة صعودها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

ولهذا، فإن «ترامب ما بعد بكين» ليس عنوان زيارة سياسية فقط، بل عنوان مرحلة:مرحلة تنتقل فيها المواجهة من «حرب الصواريخ» إلى «حرب إعادة هندسة النظام الدولي».

عملية عسكرية

أولاً : من الضربات العسكرية إلى حرب الحصار الكبرى

تدرك واشنطن أن إسقاط إيران عسكريًا ليس مجرد عملية عسكرية، بل مشروع فوضى إقليمية قد يمتد من الخليج إلى المتوسط. ولذلك، انتقلت الاستراتيجية الأميركية تدريجيًا من فكرة «الحسم السريع» إلى فكرة «الخنق الطويل».

الهدف لم يعد فقط تدمير البرنامج النووي، بل:

- ️إنهاك الاقتصاد الإيراني،

- تفكيك شبكات التمويل،

- تقليص نفوذ الأذرع الإقليمية،

- وإعادة تشكيل بيئة الشرق الأوسط بما يمنع عودة «النموذج الإيراني» بصيغته الحالية.

هذا ما تصفه بعض مراكز الدراسات الغربية بأنه:

«حرب حصار متعددة المجالات»

أي دمج:

-العقوبات،

-الضغط المالي،

-️التحكم بالطاقة،

-الممرات البحرية،

-️والردع العسكري المحدود،

ضمن منظومة استنزاف طويلة النفس.

لكن إيران لم تتعامل مع المعركة كدولة محاصَرة فقط، بل كقوة تحاول إنتاج:

«حصار مضاد»

فهي لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا؛ يكفيها:

إبقاء مضيق هرمز تحت التهديد،رفع أسعار الطاقة،توسيع ساحات الاستنزاف في العراق ولبنان واليمن،وإطالة أمد الأزمة حتى تتحول الكلفة ضد واشنطن نفسها.

وهنا تغيّر السؤال الاستراتيجي من:

من الأقوى عسكريًا؟

إلى:

من يستطيع تحمّل الاستنزاف الأطول؟

ثانياً : الصين… الرئة التي تمنع الاختناق الكامل

في الحسابات الغربية، لا تُعد الصين حليفًا عسكريًا مباشرًا لإيران، لكنها تمثل ما يمكن وصفه بـ:

«الرئة الاستراتيجية»

فبكين لا تريد سقوط النظام الإيراني، لأن ذلك يعني:

-توسع النفوذ الأميركي قرب خطوط الطاقة،

-اختلال التوازنات الإقليمية.

وتعزيز محور أميركي-إسرائيلي-هندي قد يطوق الصين آسيويًا.

وفي الوقت نفسه، لا تريد الصين حربًا شاملة تُفجّر الاقتصاد العالمي وتضرب مصالحها التجارية.

ولهذا تتحرك بكين وفق معادلة دقيقة:

«منع الانهيار… دون التورط»

أي:

شراء النفط الإيراني،

توفير غطاء اقتصادي محدود،

دعم دبلوماسي محسوب،

تعطيل بعض الضغوط الدولية،لكن دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ولهذا ترى مراكز مثل Brookings Institution وCSIS أن الصين لا تبحث عن انتصار إيراني، بل عن:

استنزاف يُضعف الهيمنة الأميركية

دون انهيار النظام العالمي الذي تستفيد منه.

 

 

ثالثاً : الشرق الأوسط الجديد… ليس كما بُشِّر به

الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم لا يشبه مشاريع «الفوضى الخلاقة» القديمة، ولا شعارات «الديمقراطية الليبرالية».

 

بل نحن أمام شرق أوسط جديد قائم على:

أمن الطاقة،

الممرات البحرية،

السيطرة على التكنولوجيا،

وتحويل الدول إلى عقد جيوسياسية وظيفية.

 

في هذا الشرق الأوسط:

تتحرك إسرائيل بوصفها مركزًا أمنيًا متقدمًا،

ويتحول الخليج إلى عقدة طاقة عالمية،

بينما تصبح العراق ولبنان واليمن ساحات استنزاف وضبط توازن،

وتحاول إيران منع تثبيت هذا النظام عبر استراتيجية «الكلفة المفتوحة».

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية لم تعد:

هل تسقط إيران؟

بل:

أي شرق أوسط سيولد بعد هذه الحرب؟

شرق أوسط أميركي-إسرائيلي مغلق أمنيًا؟أم شرق أوسط متعدد الأقطاب تتقاسم نفوذه واشنطن وبكين والقوى الإقليمية؟

 

رابعاً : ترامب ما بعد بكين

من رجل الصفقات إلى رجل التوازنات

قبل بكين، كان ترامب يتحدث بلغة:

الضغط،

الرسوم،

والردع المباشر.

أما بعد بكين، فقد دخل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا:مرحلة إدارة التوازنات الكبرى.

فالصين لم تعد مجرد منافس تجاري، بل أصبحت:

عاملًا مؤثرًا في حرب إيران،

ولاعبًا في أسواق الطاقة،

وشريكًا في رسم حدود النظام العالمي القادم.

ولهذا، فإن أخطر ما اكتشفته واشنطن ليس القوة العسكرية الصينية فقط، بل قدرتها على:

الربح من استنزاف الآخرين.

فالصين لا تطلق الصواريخ في الخليج،لكنها تراقب كيف تُستهلك القوة الأميركية ماليًا وعسكريًا وسياسيًا، بينما تتقدم هي بهدوء داخل الاقتصاد العالمي.

 

خامساً : معركة الزمن… لا معركة التصريحات

بين واشنطن وبكين يوجد اختلاف عميق في فهم الزمن السياسي نفسه.

 

ترامب يتحرك بعقلية:

الإنجاز السريع،

الصورة الإعلامية،

الضغط المباشر،

والنتيجة القابلة للتسويق داخليًا.

 

أما الصين فتتحرك بعقلية:

التراكم،

النفس الطويل،

استنزاف الخصم زمنيًا،

وإدارة التحولات بهدوء.

 

ولهذا، فإن بكين لا تقيس نجاح الزيارة بما سيُقال في البيان الختامي، بل بما إذا كانت:

قد منعت التصعيد الأميركي الكامل،

وأبقت إيران داخل هامش الصمود،

ودفعت واشنطن نحو إدارة الأزمة بدل حسمها.

 

وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل جاءت واشنطن إلى بكين لتفرض شروطها؟أم لتشتري الوقت؟

وهذا سؤال بالغ الخطورة، لأن كثيرًا من مراكز الدراسات الغربية بدأت تتحدث عن أن الولايات المتحدة تواجه للمرة الأولى:

«تزامن الاستنزاف»

أي:

ضغطًا في الشرق الأوسط،

تنافسًا مع الصين،

قلقًا متصاعدًا حول تايوان،

انقسامًا داخليًا أميركيًا،

وكلفة اقتصادية عالمية متزايدة.

بينما تراهن الصين على أن الزمن يعمل لصالحها كلما طال أمد الأزمات.

 

الخاتمة الاستشرافية:

قد لا يتذكر التاريخ زيارة ترامب إلى بكين كحدث دبلوماسي عابر، بل كنقطة انتقال بين عالمين:

عالم كانت فيه الولايات المتحدة قادرة على فرض الإيقاع وحدها،وعالم جديد أصبحت فيه القوة تُقاس بالقدرة على:

إدارة الحصار،

تحمّل الاستنزاف،

وضبط الفوضى دون الانهيار فيها.

أميركا تحاصر إيران بالدولار والعقوبات والقوة،وإيران تحاصر أميركا بالكلفة والممرات والفوضى،أما الصين… فتجلس في المنتصف، لا لتمنع الحرب،

بل لتضمن ألّا يخرج منها أحد منتصرًا بالكامل.

 

وفي بكين، لم تكن الصين تختبر قوة ترامب فقط…بل كانت تختبر قدرة الولايات المتحدة على إدارة عدة جبهات في وقت واحد دون أن تُستنزف استراتيجيًا.

وهنا تحديدًا يولد المعنى الحقيقي لعبارة:

«ترامب ما بعد بكين»

ليس رئيسًا عاد من الصين بصفقة،بل رئيسًا عاد وهو يكتشف أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة نفوذ أميركية…بل أصبح مختبرًا لإعادة توزيع القوة في العالم كله.

 


مشاهدات 79
الكاتب ثائر العجيلي
أضيف 2026/05/20 - 3:40 PM
آخر تحديث 2026/05/21 - 2:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 159 الشهر 19652 الكلي 15864846
الوقت الآن
الخميس 2026/5/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير