ذاكرة مكان
الرمادي .. واحة حب تغفو على ضفاف الفرات
محمد إسماعيل
□ إبراهيم العوسج: تراكمت النجاحات، وصرنا نفكر بإعادة الرمادي الى أفضل مما كانت؛ لأن العمل قائم على تقديم الخدمة وفق التطور الزمني الحاصل في العالم
□ جسر ذو مصعد وسلم كهربائيين لعبور المشاة، مسقف بإحكام من حر الصيف وبرد الشتاء، مكيف بأربع سبلتات عملاقة
□ الناس في زحام هادئ يتبضعون، مصغين لصوت مطرب من ريف الجنوب يصدح عشقاً في الغربية: «يمه يا يمه.. ما نمت ليلي» ملء سعة الشوارع المعطر بالهدوء
□ إنبعثت عنقاء الإستثمار في الرمادي بعد تحريرها من مخالب «داعش» أصبحت بيئة جاذبة لرؤوس الأموال.. مدينة في سباق مع الزمن.. تقدماً.
□ رصف الكورنيش بالـ «Tartan» والهواء يتكسر بين الأمواج، كأن ساحراً يكحل عين الرمادي بضوء الغروب الطافي على سطح الفرات والظل يستطيل
تكتظ مدينة الرمادي.. مركز محافظة الانبار، بالمحبة ورهافة أهلها الطيبين، دخلتها «الزمان» عصر يوم شتائي أوان إستقبال دكاينها المساء.. يصطلح الشباب على وسط المدينة.
يكتظ وسط المدينة بعيادات حتى سمي الشارع الرئيس فيه بـ «شارع الأطباء» عافى الله الرماديين.. نساءً وصبايا وشيوخاً وشباباً؛ لما يكتنزون من كرم شجاع تمور به الأحياء التي تخجل من إنشاء فندقٍ فبيوتهم مشرعة للضيف وعابر السبيل.
جسر ذو مصعد وسلم كهربائيين لعبور المشاة، مسقف بإحكام من حر الصيف وبرد الشتاء، مكيف بأربع سبلتات عملاقة، عبرنا منه الى الجهة المقابلة، في قلب المدينةى النابض بالدعاء لرئيس مجلس النواب المهندس محمد الحلبوسي؛ لأنه شجرة فاءت على أهلها...
عمارات فائقة الجمال هندسياً.. شرطة مؤدبون لحماية الناس وحراستهم ومنظفون كلما دفعت الريح «كلينساية» تلاقفوها حتى بدا الشارع صقيلاً «يبرج» متناهياً في الجامع الكبير ذي المنارة والقبتين، مروراً بشقق سكنية يمر الأهالي من تحتها وادعين.. سيراً بإتساق لطيف.
يقف جامع الشيخ عبد الجليل، حارساً لخزان الماء.. بركة وإيماناً محتسباً للمولات وسابلة التسوق من نساء «modern» وليس بدويات بعباءات بيض نسجت من وبر النوق العصافير «جمال بيضاء تعيش في صحراء العراق حصراً».
عبرنا نافذين في سقيفة جسر الرمادي الى الجهة المقابلة، نرصد إنسيابية حراك الناس.. خيراً وبركةً وتفاؤلاً وسعادةً.. حيث سوق الرمادي الكبير.. محلات عصائر ومطاعم وألبسة وموبايلات وكومبيوترات وأحذية ومجمع طبيثر وعيادات فرادى ومخفر شرطة ودوريات ودود ودكاكين ذات بضائع متنوعة والناس في زحام هادئ يتبضعون، مصغين لصوت مطرب من ريف الجنوب يصدح عشقاً في الغربية: «يمه يا يمه يا يمه.. ما نمت ليلي.. يا أشكر وحك عيناك.. وكفه إعله حيلي.. يمه يا يمه.. هذا اليمر إعليك» ملء سعة الشوارع المعطر بالهدوء.
عربات تسير بإنتظام وئيد، تحت بوابة جامع الحاجة مقبولة المولى.. صغير الأبعاد محتشد بنسغ الايمان يسري في عروق المبنى.
إحتفظت إحدى العمارات بآثار الحرب «كي لا ننسى» حافظاً على المكتسبات المتحققة والرفاه الناجز.. إنها مدينة الجوامع العامرة بالتقوى، من دون أن تتعطل عن ركب التقدم التأملي السريع «خير البر عاجله» وقافلة الحضارة تغذ السير حثيثاً نحو المستقبل بحماسة تأملية.
تارتان
إنبعثت عنقاء الإستثمار في الرمادي بعد تحريرها من مخالب «داعش» أصبحت بيئة جاذبة لرؤوس الأموال.. مدينة في سباق مع الزمن.. تقدماً.
سرنا بمحاذاة الفرات وقد تداخلت شبكات المياه في أرفع ما يمكن أن تبلغه هندسة الري الحديث.. رصف الكورنيش بالفلين الرياضي «Tartan» مضماراً للعدائين، عند حافة الشاطئ موقف للدراجات الهوائية، من ذلك الذي نراه في الافلام من قبل.. مساطب وموكيت بين الشط والشارع.. رصيف الكورنيش يعلو الماء بأكثر من خمسة عشر متراً والهواء يتكسر بين أمواج النهر، كأن ساحراً يكحل عين الرمادي بضوء الغروب وقد أزف أصيل الشمس مغادراً العصر.. يطفو على سطح الفرات والظل يستطيل.
سنارة
شاب يرفع سنارة غرس خيطها في الماء، وخطاف «جنكال» صغير مخبأ في طعم لإصطياد السمك، قال: «أطيب أنواع السمك يدرها الفرات علينا؛ لأنه يجري في بيئة صخرية لا غرين ولا أشنات ولا مجاري مياه ثقيلة تصب فيه ملوثة طعمه؛ لذلك حلاوة الماء تتجلى في لحوم الأسماك».
مر خضيري طافياً بسلام مع الموج الجاري.. تلاه موكب عرس يعزف جوبي، على الشاطئ المقابل أحياء سكنية شديدة الهجوع لرحمة الرب مطمئنة وادعة تحت شمس إحمرت مواشكة على الغروب.. أو بدأت تغيب فاسحة لليل نشر ظلامه.
العوسج
روى قائممقام الرمادي إبراهيم خليل العوسج، قصة إزالة الدمار وتوجيه عصا الإعمار السحرية: «الدمار كان كبيراً.. الرمادي شالت العبء الأكبر.. تركيز «داعش» والإجندات الأخرى ضغط على الرمادي أكثر من سواها من مدن الأنبار» قائلا: «لا يخفى على أحد حجم الدمار الذي ألحق بالرمادي كمدينة، ومحافظة الانبار بشكل عام».
أكد: «إنطلاقا من رمزيتها ركزت الإجندات على تدميرها؛ لغايات تتعلق بـ «داعش» إعلاميا أكثر منها سياسية، لكن مع هذا أنا أعتقد «أكو» أجندات سياسية في هذه الجزئية» مضيفا: «عندما دخلنا المدينة، أحسن المتفائلين كان يعتقد أن عشر سنوات تستلزم إعادة بناء المدينة؛ بسبب قراءة حجم الدمار، لأن القطاعات المدمرة جزء منها بلغ مئة في المئة.. مثل قطاعات الكهرباء والبلدية والصحة والتربية، نسب الدمار فيها مئة بالمئة، وقطاعات أخرى تجاوزت سبعين او ثمانين بالمئة في المجمل، ما مجموعه ثمانون من المئة في مختلف القطاعات».
لفت العوسج: «الغاية الاساس التي وزعنا منهج الاعمار بينها، هي الإشتغال على أولويات، يقوم على أساسها إستقرار المدينة، بدءاً برفع خمسين ألف عبوة غير منفلقة في المدينة.. البغدادي لعنة الله عليه قال: سنخرج من الرمادي ونترك الارض تقاتل بدلا عنا خمس سنوات» مفيداً: «زرعها داخل دور ومؤسسات وشوارع المدينة، ما أدى الى مئة وسبعين ضحية، بسبب دخولهم مساكنهم وهي ملغومة.. هذا المعيار كان مهما في تفكيك خيوط اللعبة التي نسجها «داعش» إستعنا بمنظمات دولية وساعدتنا السفارة الامريكية، في إداخال شركات أمريكية، ومنظمات نرويجية وبريطانية مع جهد الجيش والحشد والشرطة في الانبار، منظفين تسعين بالمئة مما موجود لدينا في المدينة.. ما زالت عبوات في أطراف المدينة.. بفضل الله.. سبحانه وتعالى أمور الدور السكنية طيبة جدا الآن، هذه كانت هي المشكلة الاساسية وأكبر معضلة، نجحنا فيها وبعدها كانت غايتنا الاساسية رفع الانقاض المنتشرة في الشوارع».
نوه: «نحن كمحافظة اليوم مناهجنا كان قائما على تقديم الحد الادنى من الخدمات التي يمكن ان يعيش بها المواطن، مركزين على الماء والغاز، عام 2016 نجحنا بإعادة معمل الغاز ومئة وعشرين مجمع ماء مدمر، ثم توالت عملية أعادة وإصلاح البنى التحتية المدمرة، بالذات المجاري حيث لدينا ست عشرة وحدة رفع ومعالجة مدمرة في المدينة أعيدت بالتعاون مع المنظمات الدولية وبرنامج الامم المتحدة والموازنة الاتحادية، وساعدتنا الجهات ذاتها في التربية والكويت ساعدتنا صحيا وتربويا ببناء إثنين وثلاثين مدرسة كرفانية، معيدين الحياة الدراسية، بالمحصلة النهائية تراكمت النجاحات، وصرنا نفكر بإعادة الرمادي الى أفضل مما كانت؛ لأن العمل قائم على تقديم الخدمة وفق التطور الزمني الحاصل في العالم.. من حيث إنتهى الآخرون، لكن ما زلنا بحاجة الى خمسة ملايين دولار لإعادة الرمادي الى ما كانت عليه قبل «داعش» في قــطاعات الكهرباء والزراعة والصناعة والخدمات البلدية، كنا تحت الصفر والان وصلناه نحتاج صعودا ألى أعلى من الصفر؛ كي نعود الى مرحلة ما قبل «داعش» ثم ننطلق الى حملة الاعمار الكبرى متمنين ان تكون الرمادي المدينة الاجمل في العراق» مواصلا: «إعتمدنا على آليات المواطنين أنفسهم في إنجاز المهمات، فتفاعلهم أساس نجاحنا، ووطنيتهم ساعدتنا في الحفاظ على المنجز المتحقق، ومنه سبع وتسعون مدرسة أهلية تساعد في سد نقص المدارس الحكومية».
تابع قائممقام الرمادي: «رؤوس أموال الأهالي تستثمر داخل مدينتهم؛ ما جعل القوة الشرائية عالية، وصعدت أسعار العقارات الى خمسمئة بالمئة؛ ما يدل على وفرت النقود لدى المواطن الرمادي» مشيرا الى ان: «الرمادي تمتلك ثروات في الزجاج والغاز والنفط والزراعة والصناعة والعقول الاكاديمية والايدي الماهرة، يعني مقومات النجاح متوفرة ونعمل على التعاون مع الاردن عند الحدود».