الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مساجُ العقلِ

بواسطة azzaman

مساجُ العقلِ

أسماء محمد مصطفى

 

إذا كان الزمنُ يبرعُ في رسم تجاعيده على وجوهِنا، إلّا أنّ أشدَّ التجاعيدِ عُتُوّاً تلك التي تُصيبُ القلوبَ بفعلِ الخيبةِ وجراحِ الفقدِ.ربّما يستطيعُ طبيبُ التجميلِ إخفاءَ أو علاجَ تجاعيدِ الوجهِ، ولكن تجاعيدَ القلبِ والروحِ يعجزُ أمهرُ الجرّاحين عن إزالتها. مع ذلك، فإنّ نداءَ الحياةِ النبيلةِ لحملِ شعلةِ رسالةِ وجودِنا، يدفعُنا لنجعلَ هذه الأَخاديدَ الوجدانيّةَ الصحراويةَ الصامتةَ سَواقيَ حاكيةً، تُمدُّنا بالارتواءِ وقوّةِ الاستمرارِ في حياةٍ يعتصرُها عطشٌ يصيبُ شجرةَ السلامِ الداخلي باليباسِ، فتظهرُ تجاعيدٌ في القلبِ.نحن الأشدُّ حُزناً، ولكننا نخرجُ من كهوفِ التجاربِ المريرةِ صانعينَ دروعَ الفرحَ  كأنّ شيئاً لم يكن، حاملينَ مصابيحَ أرواحِنا المُضيئةَ في لياليِ اليأسِ الطويلِ، نحن الطريق والانعطافةُ في حياةِ أحدهم أو بعضهم، نحن الذين نصنعُ حظَّنا بإرادتنا. لا تشكّلنا الحياةُ أو تصنعُنا كما تشاء، بل نحن نصنعها، لأنّ جيادَ عنادِنا لا تكبحُ جماحَها سروجُ الترويضِ.

التفاؤلُ حيلةٌ شعوريّةٌ ذهنيّةٌ لِعبورِ المطبّاتِ النفسيّةِ، وتغييرِ النهاياتِ التعيسةِ بأُخرى قد لا تكونُ سعيدةً تماماً، ولكنّها نهاياتٌ مفتوحةٌ على الأقلّ في فيلمِ وجعِ الحياةِ الحتميّ، حيثُ يضطلعُ التفاؤلُ بدورِ كاتبِ القصّةِ والسيناريو والمخرجِ والممثّلِ البطلِ. التفاؤلُ فكرةُ المحاولةِ وقلمُها ورؤيتُها وأداؤها.الروحُ القويةُ النقيةُ لا تتجعدُ كالجسدِ، عمقُها بالحبِّ الخالصِ هو المصلُ الذي يحميها من الشيخوخةِ. قد تشيخُ الروحُ مبكراً، لهشاشةِ الدواخلِ أو لجهلٍ بإمكاناتِ قوةِ الروحِ. الخبرةُ والنضجُ الروحيانِ والعقلِيانِ يرشدانِ الإنسانَ إلى مكامنِ الشبابِ الدائمِ للروحِ. الروحُ لا عمرَ لها. الأخطاءُ هي الممراتُ الخفيّةُ التي تستفزُّ وعيَنا وتوقظُهُ، لِيَنتبِهَ ويفيق من غفوتِهِ بعد تعثرِ خطواتِنا. لولاها لا نتعلّمُ السيرَ في دروبِ الحياةِ واثقي الخطى، وهذهِ هي الحكمةُ منها.لذا حين نَتصرّفُ باستقامةٍ حِرصاً على مبادئِنا وقِيَمِنا وسلامتِنا وسلامةِ سوانا، ينبغي لنا ألّا نَتطرّفَ ولا نُبالِغَ في الحِرصِ، ولا نُفرِطَ حدَّ الهَوَسِ، كي لا نخطئ أكثر ولا نَفقِدَ فُرصةَ التعلّمِ من الخطأِ والتجربةِ. فقد لا يَبلُغ تفكيرُنا النورَ أو تستقيم خطواتُنا على مساره إلّا بعدَ التعثُّرِ بأحجارِ الظلامِ.

إذا كانَ صوتُكَ نشازاً وغيرَ متناغمٍ في جوقةِ الموسيقيينَ والمغنّينَ، فذلكَ لا يعني بالضرورةِ أنَّك لا تُجيدُ الغناءَ. هكذا هو الحقُّ المنفردُ وسطَ جوقةِ الباطلِ.

 

 

 

 

 

 

 

 


مشاهدات 55
الكاتب أسماء محمد مصطفى
أضيف 2026/03/25 - 11:55 PM
آخر تحديث 2026/03/26 - 1:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 75 الشهر 21005 الكلي 15213073
الوقت الآن
الخميس 2026/3/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير