فاضل ثامر الناقد العصامي الكبير
زهير ياسين شليبه
يمكن القول إن سيرةَ حياةِ الناقد العراقي، رئيس اتحاد الأدباء العراقيين الأسبق فاضل ثامر، ونتاجاتِه انعكاسٌ لتطور الفكر النقدي العراقي منذ السبعينات حتى وقتنا الحاضر، وإن مقالَنا الحالي مساهمةٌ متواضعةٌ في التعريف بنشاطه المتواصل والدعوة لتكريمه أكاديميّا جنبًا إلى جنب مع كلّ مواطنيه العراقيين الآخرين الذين أفنوا حياتهم في نشر الثقافة العراقية والعربية.
وإنه، بإصداره كتابه "التاريخي والسردي في الرواية العربية"1، يكون فاضل ثامر قد أتم منجزه النقدي وقدم خدمة كبيرة ليس للثقافة النقدية العراقية فحسب، بل العربية كلّها. وحقق "تداخل المنهجيات الحديثة وتجاوز معضلات النقد في الفترات السابقة "والإخفاقات والتلفيقات في التطبيق، ومحاولة فرض المنهج من خارج الحدود"، على حد تعبيره في أحد اللقاءات الصحفية معه.
منذ كتابه الأول بالاشتراك مع زميله الناقد المعروف ياسين النصير "قصص عراقية معاصرة"2 ومقالاته الأولى في الصحافة العراقية وضع الأستاذ فاضل ثامر اللبنة الأولى لبناء نقد متجدد.
كذلك تميز الناقد الكبير فاضل ثامر بوضوح الرؤية، فكان من السهل على الدارس باللغات الأجنبية فهمها والاستشهاد بها على عكس بعض الكتابات النقدية الصحفية الإنشائية، ويتضح هذا الأمر بالذات عند ترجمة بعض مقاطعها إلى اللغات الأوروبية، فضلاً عن رغبته في الاستزادة من المعارف وإصراره على تطوير أدواته بعيدًا عن المؤسسات التعليمية الأكاديمية كما هو واضح في نتاجاته الفكرية النقدية. وقد يكون لمقولة "الاستقرار النسبي" و"هجرة" الأدمغة، دور ملموس في عملية نضوج الفكر العراقي، بحيث استطاع الناقد العراقي في السبعينات أن يكرس وقته للعمل الفكري الدؤوب.
وبالنسبة للناقد المعروف فاضل ثامر فإنه أصدر أغلب كتبه إن لم نقل كلها منذ السبعينات حتى وقتنا الحاضر في العراق، حتى في ظروف الحصار والأوضاع السياسية القاهرة التي مرَّ بها العراقيون عامة والمثقفون بخاصةٍ.
يتميز فاضل ثامر بالمتابعة والمثابرة وترجمة المصطلحات من الإنجليزية التي يجيدها والبحث عن مرادفات نقدية عربية رغم صعوبة المهمة.
ولاحظتُ من خلال تجربتي الشخصية في السبعينات، معاناة الطلاب الجامعيين العرب الدارسين باللغات الأجنبية من هذه المعضلة في النقد العربي بسبب الاختلاف بين تطبيقات اللغة العربية واللغات الأوروبية التي درسوا بها فالمصطلح فيها نتاج تطور الفكر الأوروبي على عكس واقعنا الثقافي، الذي يستهلك ما ترد إليه من كتب مترجمة من اللغات الأخرى.
إن ترجمة المصطلح عندنا أو استخدامه في غير موقعه الصحيح بعض الأحيان، وبالذات بالنسبة لبعض النقاد الصحفيين، أو من غير الدارسين باللغات الأوروبية هو عملية "استيراد واستهلاك" أحياناً، ومحاولة "توطين" معقّدة أو فاشلة، رغبةً في الصنعة أو التظاهر بها لا يفي بالغرض العلمي تماماً. ولهذا وتجنّبًا للخلط بين المفاهيم، هناك مصطلحات كان من الأفضل، وبالذات في بداية التطور النقدي استخدامها كما هي، لكن ليس قبل أن يدركها الناقد ويفهمها بدقّةٍ مثل: القصة القصيرة، الأقصوصة، القصة الطويلة، الرواية، الرواية الإطاريّة، ميتا سرد، تناص، نسق، أنساق، الرمز، الأليغوريا والبوليفونيا والديالوجيا والهرونوتوب أو الكرونوتوب والكاثارسيس والنوستالجيا. 3
كمثال على ذلك يمكن ملاحظة صعوبة فهم ميشيل فوكو رغم أنه مُترجَم من الفرنسية الى العربية، والأمر نفسه ينطبق بالذات على تراجم الكتب النقدية الروسية إلى العربية نقلاً عن الفرنسية ما يؤدي إلى سوء الفهم أحيانًا.
كثيرًا ما يطرح تساؤل بعد قراءة كل مقال نقدي مليء، بل محشو بأسماء المنظرين الغربيين والمصطلحات النقدية وبالآلات البنيوية التفكيكية عن فائدته العلمية بخاصة للمتلقي إذا كانت عصية الفهم والاستيعاب على كاتبه!
ومن الطبيعي أن تستند منطلقات فاضل ثامر في ذلك الوقت إلى الواقعية "بنسختها العراقية" حيث تركز على كون العمل الأدبي نتاجَ الواقع الاجتماعي، وأنه يجب أن يغير الأخير. كما هو واضح في مقدمته لكتابه الثاني: "معالم جديدة في ادبنا المعاصر"4. يتضمن هذا الكتاب 22 دراسة نقدية عن نتاجات سردية مهمة تُعد مساهمةً أساسيةً في النقد العراقي آنذاك. وأنا قرأت كتابيه الأوليين في السبعينات واستخدمتهما كمصدرين في أطروحتي 1984عام. 5
ومن المعلوم أن أغلب أدباء المدرسة الواقعية و"الاشتراكية" ونقادها في الخمسينات والستينات، من الشباب المتحمس، ولهذا أطلق عبد الملك نوري على بعض قصصهم المباشرة "مقاصات" وهي مختصر "مقالات قصصية"، لكن بعضهم كان يشعر بهذا النقص والتحدي، ولهذا اتجهوا نحو تطوير أنفسهم فكريا وفنيا.
و"المقاصّات" في الحقيقة تشبه نوعًا سرديًّا يُسمّى بالروسيّة "أوتشِرك ocherk" برع فيه مكسيم غوركي وقال عنه: "إنه يقع بين القصة والتحقيق الصحفي"، يتسم بالوثائقية والأسلوب الأدبي ودقة وصف التفاصيل والمكان والزمان. وقد قال أحد أبطال رواية "خمسة أصوات" لبطلها الصحفي سعيد - بروتوتايب – طراز غائب ط. فرمان "معيّرًا" إيّاه بأن قصصه نسخة سيئة من غوركي. وقد أكد لي الراحل غائب ط. فرمان شخصيًّا هذه الحقيقة في بداية تعرفه على أعمال غوركي، لكنه استفاد حقًّا من تجربته وتأثّر إيجابيًّا ب "صنعة" لغته فيما بعد.
وهذا ما لاحظناه أيضًا على النقاد الواقعيين العراقيين بالتوجه نحو الاطّلاع على المدارس النقدية الأخرى والجوانب الفنيّة وبالذات الفكر الوجودي الذي اهتم به الكاتب نهاد التكرلي.
وكان أستاذنا فاضل ثامر ايضا يتابع ويطور ادواته النقدية مستفيدًا من إنجليزيته وهذا ما نلاحظه في إصداراته اللاحقة حتى من خلال عناوينها: "مدارات نقدية في إشكالية النقد والحداثة والإبداع والمصطلح في الخطاب النقدي" حيث بدأ بالتركيز على الجوانب الفنية من النتاجات الأدبية. 6
كان بعض المبدعين العراقيين الواقعيين يشعرون أحيانًا بنوع من الضغط كونهم لا يستخدمون الطرق التكنيكية الجديدة في أعمالهم الإبداعية النثرية، والنقدية التجديدية أو البنيوية التي تهتم بتفكيك النص، قد يكون لبعدهم عن هذه المدارس الفكرية التي بدأت تنتشر في شمال افريقيا والشام. في المقابل، كان هناك كتّاب يتشدّقون بالمصطلحات الوجودية والبنيوية، ما جعل بعض نظرائهم العراقيين يشعرون بضرورة مواكبة المتغيرات مع شيء من "الكسوف والتردد" حسب تعبير الناقد فاضل ثامر رئيس اتحاد الأدباء العراقيين الأسبق.
وهنا، لا بدّ لي من الإشارة أيضا إلى حقيقةٍ، يبدو أن بعض المبدعين نسوا أن أغلب هذه المدارس المنتشرة اليوم التي تهتم بالنص أكثر من المضمون وتأويله تطورت من مبادئ الشكلانيين الروس ومدرسة براغ التي انتقلت إلى أميركا ومن ثم إلى فرنسا. وإنّ تسمية "الشكلانيين الروس" أُطلقَتْ عليهم من قبل الآخرين "استفزازًا" لهم. 7
ومن المهم للغاية الإشارة إلى أن المدرسة الواقعية الروسية (بيلينسكي ودوبروليوبوف)، والسوفييتية باستثناء فتراتها الأولى لم تهمل الشكل والجوانب الفنية، بل أكّدت على ضرورة دراسة العمل الأدبي الفني الناضج ككل ضمن وحدة عناصره ومقوماته.
وينبغي علينا ألّا نقيس بدايات الواقعية في بلدان عصفت فيها الأحداث الثورية على أنها متكاملة، بل بالتأكيد أن نتاجاتها انعكاس لتلك التجارب والأوضاع السياسية، ولهذا تبدو لنا اليوم كتاباتٍ ساذجةً قد لا تستحق الاهتمام.
هناك مقالات نقدية ونتاجات إبداعية عبارة عن استنساخ لواقعية اشتراكية سياسية مباشرة لا يمكنها أن تمثل المدرسة الواقعية، إذ إن بعض مؤلفيها شباب متحمسون تنقصهم المعرفة والدراية. لكن أهمية نتاجات مكسيم غوركي لم تنته بسبب واقعيتها كما يتصور بعضُهم، بل على العكس من ذلك ستزداد قيمتها في المستقبل كما هو الحال مع الدنمركي مارتِن أندَرسن نيكسو والإيطالي إينازيو سيلوني وهيكل، والشرقاوي، ومحفوظ، وآخرين.
ونلاحظ أن الباحث فاضل ثامر وبعد ترجمته لرواية "الحديقة" لمؤلّفتها ماركريت دورا 8، ومتابعة أغلب الإصدارات العراقية والعربية لأكثر من عقد ونصف العقد، يواصل العمل على تطوير أدواته النقدية باستمرار وتنويعها ليصبح خطابه مواكبًا للتقنيات الجديدة. هذا ما نراه في كتابه: "مدارات نقدية في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي".
حيث يعبّر الكاتب في مقدمته لكتابه عن ضرورة تغيير الأساليب من وجهات النظر النقدية الحديثة في دراسة النتاج الأدبي، ويدرس في الفترة اللاحقة أعمالاً قديمة من وجهة نظر نقدية حديثة.

وهو ما يؤكده الناقد فاضل ثامر أيضا في كتابه التالي: "الصوت الآخر. الجوهر الحواري للخطاب الأدبي"، كما يذكر في مقدمته له على ضرورة إعادة النظر "في المنطلقات النقدية التي اعتاد عليها" الناقد ويعيد صياغتها. 9
ويتناول هنا أعمالاً أدبية، أعتقد أنه سبق له أن درس قسما منها، ولكن هذه المرة من منطلقاته الجديدة الأكثر نضجًا التي لا تقتصر على المضامين الاجتماعية. يعتمد هنا على تأويل النص من خلال مقارنات ومقاربات ثيمات لعدة نتاجات مثل "مجنونان" لعبد الحق فاضل و"اللعبة" ليوسف الصائغ، ويقارن بين "الشحاذ" لنجيب محفوظ مع "ساعات كالخيول" لمحمد خضير وتعدد الأصوات في "الرجع البعيد" و"خمسة أصوات" وغيرها.
ويولي فاضل ثامر في التسعينات الجانبَ الفني أهميةً كبيرةً ويعتبرُ "الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي فنيةً لأنها متعددةَ الأصوات، مثل "خمسة أصوات" لمجايله غائب ط. فرمان، ويستخدم مصطلحاتٍ جديدةً مثل النسق الزمني الهابط والصاعد والمتقطع، ويقارنهما بفوكنر الأمر الذي رفضه الكاتبان كما ذكرا لي في أحاديثهما الشخصية لي وأنهما لم يستمتعا بقراءته ولم يستسيغاه، على عكس الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، حيث أقر بتأثره الحقيقي أو "الإيجابي" بهذا الكاتب الأميركي، وطبعاً بعد قراءته المتمَعّنة وإعجابه به. وهذا ما أشرتُ إليه في أطروحتي، ولم أقارن غائب طعمه فرمان بفوكنر كما أساء بعضهم مع الأسف. وقد كتبت عن هذا الأمر في الصحافة.
وأودّ الإشارة هنا إلى أني ذكرت تعدد الأصوات (البوليفونيا) في أطروحتي (1984) وبالذات فيما يخص رواية "خمسة أصوات"، لكني أراها اليوم نسبيّةً وشكليةً، أو بسيطة لافتقارها إلى الدايالوجيّة، الحوارية الحقيقية، أو "الملاسنات" كما هي بالذات "في "الجريمة والعقاب" أو "الأخوة كمارازوف"، وأعمال دوستَييّفسكي الأخرى التي تتميز بهذه السمة بحسب المفاهيم الباختينية.
واستمر فاضل ثامر في تطوير نفسه كناقد مفكّر خارج المؤسّسات الأكاديمية الرسمية إن جاز التعبير، لكن ليس بعيدًا عن بيئتها. من خلال تناوله موضوعات نظرية أكاديمية مثل: الحداثة وما بعد الحداثة والسيميائية "علم العلامات" و"مشروع حوار مع الفكر البنيوي" فضلًا عن "النقد العربي وإشكالية النظرية الأدبية الحديثة" و"إشكالية المصطلح والمنهج" كما يظهر في كتابه: اللغة الثانية: في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث. المركز الثقافي العربي 1994 (10)
أعتقد أن هذا الكتاب من أهم مؤلفات الناقد فاضل ثامر النقدية، يتناول موضوعات نظرية أكاديمية لها علاقة بالحداثة وما بعد الحداثة والسيميائية "علم العلامات" و"مشروع حوار مع الفكر البنيوي" اللتين كرّس لكل منهما فصلا كاملاً، إضافة إلى قضيّتي "النقد العربي وإشكالية النظرية الأدبية الحديثة" و"إشكالية المصطلح والمنهج" اللتين سبق له وأن درسهما.
ما يميز فاضل ثامر في هذا الكتاب والكتب السابقة وعمله الأخير والكبير التأريخي والسردي، إنه لا يكتفي بالتنظير، بل يدرس نتاجات أدبية شعرية ونثرية لمبدعين مثل: يوسف الصائغ وياسين طه حافظ من خلال أدواته الجديدة المضافة لتراثه النقدي.
وإنه، وكما ذكرت سابقًا يعيد صياغة آرائِه النقدية كما هو الحال في كتابه "شعر الحداثة: من بنية التماسك الى فضاء التشظي"11 حيث تناول الحداثة الشعرية العربية في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينات: نازك الملائكة، بدر شاكر السيَاب، البياتي من خلال منهجية "سوسيو-شعرية" بدون التخلي عن ظروف العمل الأدبي باعتباره نتاجًا لها.
والأمر ذاته ينطبق على كتابه المهم: "المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي"12، حيث درس نتاجات غائب طعمه فرمان ومؤنس الرزاز ونجيب محفوظ ومحمد عوض عبدالعال وغيرهم وموضوعات مثل البوليفونيا والبنية والوحدات السردية.
أما كتابه: المبنى الميتا سردي في الرواية. 13 فيصفه فاضل ثامر نفسه: "تنهض الأطروحة الأساسية لهذا الكتاب النقدي على فرضية أنّ أشكال البناء الميتا- سردي أو الميتا- روائي والذي يُسمّى أحياناً بـ"ما وراء الرواية" في الرواية العربية، وقبل ذلك في الرواية العالمية هي تنويعات وتمثلات لرواية ما بعد الحداثة في الثقافة العالمية.
إنّ هذا الخرق المقصود لعمود الكتابة الروائية الحديثة الذي أسّس له روّاد الرواية الأوروبيّة والغربية منذ سبعينيات القرن الماضي، والذي وصف في حينها بأنّه - موت للرواية - إنّما هو ولادة جديدة للسرد الروائي بآفاق وفضاءات سردية جديدة يتمثّل أساسًا في الوعي الذاتي المقصود بالكتابة الروائية وفي الاشتغال على كتابة رواية داخل الرواية أو نشر مخطوطة موازية أو الاعتماد على مدوّنات وخطاطات كتابية أو شفاهية من خلال توظيف ضمير المتكلّم الأوتوبيوغرافي غالباً لصياغة خطاب سردي ما بعد حداثي. وقد تناولت في هذا الكتاب أكثر من خمسين رواية عربية تنتمي إلى هذا اللون التجريبي بالفحص والتحليل للكشف عن تشكلات البنى الميتا-سردية فيها وارتباط ذلك بإنتاج الدلالة والرؤيا والمعنى في الخطابات الروائية".
وهكذا فإن الناقد فاضل ثامر لم يكتفِ بالتنظير فحسب، بل مارس التطبيق النقدي عبر دراسته مسيرة الرواية العراقية بدءًا من "مقامات أبي الثناء الآلوسي" و"الرواية الإيقاظية" لسليمان فيضي، مرورًا بسردية "جلال خالد" لمحمود أحمد السيد، انتهاءًا بنتاجات متنوعة كثيرة عراقية وعربية مثل: "زنقة بن بركه" لمحمود سعيد وأعمال محمود جنداري و"السفينه" لجبرا إبراهيم جبرا و"حصيد الرحى" و"خمسة اصوات" لغائب الذي تناوله في مقاله "جدل الشخصية الروائية وسلطة الواقع"، و"الوكر" لعبد الرحمن الربيعي و"ميرامار" لنجيب محفوظ و"ألف عام من الحنين" للمغربي رشيد بوجدره وأعمال بعض الكتّاب الأردنيين أثناء إقامته في الأردن قبل سفره إلى ليبيا بسبب حصار التسعينات.
كذلك درسَ الأستاذ فاضل ثامر موضوعاتِ التخيل التاريخي والميتا سرد وروايات ملحمية طويلة مثل "أرض السواد" و"مدن الملح" لعبد الرحمن منيف ونتاجاتِ علي بدر، ورواية عبد الخالق الركابي "مقامات إسماعيل الذبيح" وأدب ما بعد الكولونيالية. وناقش كتب جابر حبيب جابر عن الاندلس ورواية "سقوط غرناطه" لرضوى عاشور و" رحلة الغرناطي" لربيع جابر التي مارس فيها الميتاسرد كلعبة تجريبية وأخرى كثيرة.
وكما ألمحتُ سابقًا، فإن بعض هذه المصطلحات والأفكار النظرية ليست من نتاج واقعنا الثقافي، ولهذا لا بُدّ أن يحصل النقاش حولها والاختلاف بين النقاد بخصوصها كونها "منقولة" أو مترجمة من لغات أخرى وأنهم (النقاد) يستقون معلوماتهم عنها إما من خلال قراءاتهم باللغات الأجنبية أو من كتب مترجمة مثل كتاب بول ريكور "نظرية تأويل الخطاب وفائض المعنى" ترجمة سعيد الغانمي. من المعلوم إنّ بول ريكور 1913-2005 عمل في مجال السرد والتأويل والبنيوية على خطى الكاتب دي سوسير.
ولا بدّ لي من الإشارة إلى ملاحظات الأستاذ حسن سرحان المهمة وتوضيحاته حول الشروط النظرية للميتا سرد المنشور في جريدة الصباح. 14
البحث النظري في مجال علم الأدب وبالذات الأجناس الأدبية السردية وقضاياها ومن منطلقات تأويلية وبنيوية تفكيكية، يتطلب استقرارًا وإتقانَ الباحث عدّة لغاتٍ أجنبية يستعين بها كأداة مهمة في بحوثه.
لقد تطور النقد العراقي في السنين الأخيرة بعد انفتاحِه على العالم وتفرّغِ المثقفين العراقيين للقراءة والإبداع بكل أشكاله، بحيث يصعب اليوم الإحاطة بنشاطات النقاد الأكاديميين لكثرتهم ويستحقون تسليط الضوء عليهم بدراسات مكرسة لهم.
أخيرًا، فأنا أعتقد أن كتابه: التأريخي والسردي امتداد لسابقه المبنى الميتاسردي في الرواية الذي تناول فيه أكثر من خمسين رواية، وأنه تتمة لكل نشاطاته النقدية النظرية التي عمل على دمج الأساليب الواقعية بالحديثة والجمع بين مصطلحاتها كما ذكرنا سابقاً من أجل تكوين منهج نقدي واضح.
ولعلّه من المفيد أن نختتم مقالنا المتواضع هذا عن اهتمام الناقد المتميز فاضل ثامر بالنظرية والتطبيق، بأن نورد هنا مقطعًا مما قاله الكاتب عن كتابه الأخير "التاريخي والسردي": "هو محاولة نقدية لقراءة الرواية العربية الحداثة وما بعد الحداثة في تعاملها مع التاريخ بين الامتثال لفتنة التخييل كليا وإعلان القطيعة مع ما هو تاريخي ورسمي و... خلق تاريخ بديل يشاكس التاريخ الرسمي الذي هو تاريخ الملوك والسلاطين والحكام والمنتصرين عبر التاريخ، .... ويعلن عن ولادة تاريخ ... يصور معاناة المهزومين والمسحوقين والمقهورين من خلال السرد الروائي.
يواصل، هذا الكتاب أيضًا، الاهتمام بالمظاهر السردية والميتاسردية في الرواية العربية مثل بنية الحكاية الإطارية، والوصف والتبئير، وغيرها، عبر نظرة منفتحة لا تتعالى على ما هو اجتماعي وفكري وتاريخي من مؤثرات شكلت فسيفساء الرواية العربية بوصفها جزءًا من وعي الروائي العربي بعصره ومجتمعه وثقافته.
وكذلك هو احتفاءٌ بمنجز الروائي العربي الحديث الذي أكد خلال العقود الأخيرة على قدرته المتميزة على الارتقاء بمستوى الخطاب الروائي العربي فنيًّا وبنيويًا ورؤيويًّا ودلاليًّا ونجاحه في اكتساب ثقة القارئ العربي والأجنبي، ليقف بجدارةٍ في مصاف النماذج المتميزة في الرواية الحداثوية ومدشّنًا دخول الرواية العربية الحديثة مرحلة العالمية". ولا بُدَّ من القول إنّ الناقد الكبير فاضل ثامر جدير بكل أنواع التكريم ونيل الجوائز العربية والعالمية على أعماله النقدية الكبيرة ولدوره في نشر الثقافة الإنسانية العربية والعالمية!
* الدنمرك، نيسان 2022، كتبتُ هذا المقال قبل أربعة أعوام أو أكثر بقليل، ولهذا أعتذر لعدم تناول نشاطاتِ الباحث فاضل ثامر الكثيرة في تلك السنوات.
المصادر:
1- فاضل ثامر. التأريخي والسردي في الرواية العربية، دار ابن النديم، الجزائر، الروافد الثقافية، بيروت 2018
2- فاضل ثامر وياسين النصير. قصص عراقية معاصرة، دار الحرية، بغداد 1971
3- د. زهير ياسين شليبه. حول أعمال باختين. مجلة المعرفة. تموز1985 دمشق، وأنظر كتابنا: ميخائيل باختين ودراسات أخرى عن الرواية، 2001
4- فاضل ثامر. معالم جديدة في ادبنا المعاصر. دار الحرية، بغداد 1975
5- د. زهير ياسين شليبه. غائب طعمه فرمان. دراسة نقدية مقارنة. دار الكنوز الأدبية، بيروت 1996
6- فاضل ثامر. مدارات نقدية في إشكالية النقد والحداثة والإبداع. وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1987 (424 ص)
7- حول الشكلانيين الروس. قاموس المصطلحات الإنسكلوبيدي. بالروسية.
8- فاضل ثامر. الحديقة. رواية مترجمة. ماركريت دورا / دار الشؤون الثقافية في وزارة الأعلام، بغداد 1986
9- فاضل ثامر. الصوت الآخر. الجوهر الحواري للخطاب الأدبي. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1992
10- فاضل ثامر. اللغة الثانية: في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث.
المركز الثقافي العربي 1994
11- فاضل ثامر. شعر الحداثة: من بنية التماسك الى فضاء التشظي. دار المدى، بغداد 2012
12- فاضل ثامر. المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي. دار المدى 2004 ( 296 صفحة)
13- فاضل ثامر. المبنى الميتا سردي في الرواية. المبنى الميتا سردي في الرواية. دار المدى. بغداد 2013،