بطاقة عزاء إلى الكبيرة فيروز
ابراهيم البهرزي
إلى السيدة التي روضت الحزن ليكون نبيلاً، وأنشدت للغياب حتى صار حضورًا في قلوب الملايين.
فيروز، يا من حملتِ الفرح على كتفيكِ عمرًا كاملًا، ووزّعتِ صوتكِ خبزًا يوميًا على هذا الشرق المتعب،
ها هو الفقد يعود إليكِ مرةً أخرى، لا كطارئٍ عابر، بل كرفيق قديم يعرف الطريق إلى قلبك.
رحل «هلي»، الصامت الكبير المتواري دوما عن الضوء،
الابن الذي حرسه حنانكِ أكثر من ستين عامًا،
كأنكِ كنتِ تعرفين أن بعض الابناء خُلقوا ليكونوا ظلًّا طويلًا لا يُرى، وأن الصمت أحيانًا هو شكلٌ آخر من أشكال الغناء.
فبعد «عاصي» … رفيق الرحلة واللحن الأول، وبعد «ريما» الطفلة التي نامت في الأغنية وبقيت هناك، (ريما تنام …ريما تنام .. واذبح له طير الحمام)
وبعد «زياد» … المشاغب العبقري وارث الموهبة والقلق والوجع،
يأتي الساعة رحيل «هلي» ليقول لكِ إن القدر لم يشبع بعد من جس نبض صبركِ، وإمتحان قلبكِ.
لكن صوتك، كان وما زال، ينشر الفرح على الملايين حتى وأنتِ في ذروة حزنكِ،
أنت من يجعل الألم أقلّ فظاظة، وأنت من يحوّل الفقد إلى صلاةٍ جامعة في محراب صوتك.
الساعة نعزّيكِ يا فيروز، لا لأنكِ ضعيفة، بل لأنكِ قوية شامخة إلى الحد الذي يسمح لنا أن نضع حزننا عند قدميكِ ونمضي.
نمْ هادئًا يا «هلي»، فأمّكِ غنّت لك من قبل، (سلم لي عليه … وبوّس لي عينيه) .. فحين تغنّي فيروز لا يكون الرحيل نهاية،
بل انتقالًا إلى لحن آخر.