الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رجاء .. أعفوني من ذكر أسمه

بواسطة azzaman

كلام أبيض

رجاء .. أعفوني من ذكر أسمه

جليل وادي

 

من بين أمنياتي التي لم تتحقق، ولا أظنها تتحقق، ولا غرابة في ذلك، فقد قضينا العمر بالأمنيات، ولولا الأمل ما قدر لنا مواصلة حياتنا على ما فيها من ضيم وقهر، وقد يقول أحدكم، نحن مثلك، ألا ترانا في كل زمان يمر، نجد فيه ما مضى هو الأجمل، مع اننا لم نركن الى الأمنيات، بل شمرنا عن السواعد وتحزّمنا بأكثر من نطاق، موقنين ان المطالب تؤخذ غلابا وليس بالتمني على حد قول الشاعر أحمد شوقي، ومع ذلك  ظلت المطالب من بين الأحلام، فيا أخي، العيب ليس فيك ولا فينا، بل في المتخلفين الذين وضعوا أحجار العثرة في دروبنا بعد أن قُدر لهم التسّيد علينا.

أرجوكم، لا تؤوّلوا كلامي على غير ما أردت، أعرف تماما ان الملوك والرؤساء على مر الزمان ما كانوا بأرفع أخلاقا من الناس، ولا أكثر ثقافة من الأدباء، ولا أعمق منطقا من العلماء، لكن للقوة سطوتها، وللوحشية قسوتها، وللسلطة لذتها، فالمناصب يا أخوتي الأعزاء تعني أربعة أمور لا خامس لها : التسلط، والنفوذ، والوجاهة، والمال، وهذا ما حدث على مر التاريخ والاستثناء فيه من النوادر.

جرجرني اعتراضكم فأنساني ما كنتُ أودّ الحديث عنه، وأكيد ان الفضول يدعوكم لمعرفة أمنيتي التي لا أظن تحققها على ما بقي من العمر وهو في أواخره . أمنيتي يا سادتي ليست صعبة، بل في غاية البساطة، فلست حالما بقصر على المتوسط حيث الهواء العليل والأمواج المنسابة، مع ان في مجاورة البحر يسكن الكلام ويتحرك التأمل، ولست من الذين تستهويهم سيارة (تاهو) سوداء أجوب بها الشوارع مزهوا والأنظار مصوبة نحوي، ولا أرغب بالفاحش من الثراء لأتحكم بالآخرين، ويصبح لساني سوطا ومزاجي قرارا أقطع به أرزاق الناس حسب الهوى كما يفعل الكثير من الأغنياء.

 أمنيتي أن اتفرغ للكتابة فقط، مع فضاء واسع من الوقت للتأمل في الأشياء، بعيدا عن ضغوط الوظيفة التي أكسب منها قوت عيالي، وأن أفي بالتزاماتي الأسرية بتوفير ما يكفيهم من مال لأكون طليقا وأتلذذ بحريتي، فمازلنا نكتب تحت الضغوط، بلا مزاج ولا متسع من الوقت، ولا مكان مريح ولا بحبوحة من الحرية. المدينة الفاضلة التي في بالي أرسم معالمها في الهامش من وقتي، وأشكّل قيمها في المتعكر من مزاجي، وأرسم ساحاتها الفارهة في أضيق الأمكنة، البال منشغل على الدوام، والثواني تطاردني، والعمر يداهمني، أراه فيما غزاني من شيب وارتجاف في الركب، ووشوشة في الأذنين، تشدني الكتابة اليها شدا، ويجرني للوراء التحسب من التقصير مع عيالي، والخوف من جعلهم في المؤخرة مقارنة بمن حولهم، وبذا يصعب الجمع بين الأثنين، ويتعذر بينهما الاختيار.

 ولأن الأخلاص في العمل الوظيفي قيمة مقدسة لكونه باب للرزق، وليس أمامك سوى الحرص على هذا الباب، وغلق كل ما عداه، او وضعه في الهامش، ومن هذا الهامش نتسلل الى مدننا الفاضلة نحن الذين تستهوينا الكتابة، ولو كان بمقدورنا العيش منها لغادرنا كل عمل غيرها، لكن في البلاد المتخلفة لا يمكن العيش من الكتابة، بل تقطع من اللقمة التي في البلعوم لتصدر كتابا ينتفع منه الآخرون، ويفخر به بعد عقود أصحاب السيادة، وكأن تألق أديب او ظهور عالم او بروز فنان من ثمار زرعهم، مع انهم لا يتذكرونهم الا حين يرونهم، ومَنْ لا عمل له غير الكتابة فمحكوم عليه الترنح بين جدران الفقر، ملاما من أهله قبل الناس، منزويا يعتصره تأنيب الضمير، وذلك معول يهدم في الابداع علما وأدبا وفنا.

وما توجهت يوما للكتابة في الهامش من الوقت حتى تخطر في بالي فكرة أن يُفرّغ المقيدون بالوظيفة للابداع في مجالاتهم، وأن يخصص راتب شهري للمبدعين من غير الموظفين، او يعينون موظفين متفرغين، مقابل انجاز عمل واحد سنويا: رواية او عمل مسرحي او ديوان شعر او معرض تشكيلي او كتاب ثقافي، ويسألني أحدكم: ومَنْ هم المبدعون؟، فأقول: الذين تزكيهم الاتحادات والمنظمات الثقافية والفنية عبر لجان مشهود لها بالكفاءة والنزاهة، ما زال يحضرني ذلك الشاعر المبدع الذي قضى عمره حاملا للطاسة في (العمالة)، ومن بعدها صار خبازا، رجاء أعفوني من ذكر اسمه.

 

jwhj1963@yahoo.com

 


مشاهدات 36
الكاتب جليل وادي
أضيف 2026/02/21 - 2:23 PM
آخر تحديث 2026/02/22 - 2:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 16896 الكلي 14948539
الوقت الآن
الأحد 2026/2/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير