الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إستغلال الوظيفة العامة وتضخّم الثروة

بواسطة azzaman

مقاربة قانونية حقوقية في التشريع العراقي

إستغلال الوظيفة العامة وتضخّم الثروة

حيدر النقيب

 

تُعدّ الوظيفة العامة في الدولة القانونية علاقة تنظيمية تقوم على مبدأ التكليف لا الامتياز، وتستهدف تحقيق الصالح العام في إطار من النزاهة والشفافية والخضوع للمساءلة. وقد كرّس الدستور العراقي لسنة 2005 هذا المفهوم حين اعتبر الوظيفة العامة خدمة وطنية، وربطها بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص وحماية المال العام. غير أنّ الممارسة العملية كشفت عن انحرافات متراكمة، تمثّلت في استغلال المنصب العام لتحقيق منافع شخصية وعائلية، وتضخم ثروات بعض المسؤولين دون مسوّغ مشروع، بما يحوّل الوظيفة من أداة خدمة إلى وسيلة هيمنة واستحواذ.

إن هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في كونها مخالفات فردية معزولة، بل تمثل نمطاً متقدماً من الفساد الإداري-المالي ذي الأثر البنيوي، لما تنطوي عليه من انتهاك مزدوج يتمثل في انتهاك لقاعدة المشروعية، وإخلال بحقوق المواطنين في المساواة والعدالة الوظيفية. فحين يُستغل المنصب لتعيين الأقارب، أو منح العقود للمقرّبين، أو تسخير النفوذ لتحقيق مكاسب خاصة، فإن ذلك لا يهدر المال العام فحسب، بل يُقوّض الثقة بالمؤسسات، ويُضعف شرعية الدولة في نظر المجتمع.

تجريم صريح

وقد واجه المشرّع العراقي هذه الممارسات بتجريم صريح في أكثر من نص تشريعي. إذ نصّ قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل على تجريم الرشوة والاختلاس والإضرار العمدي وغير العمدي بأموال الدولة، واعتبر صفة الموظف العام ظرفاً مشدداً للعقوبة متى استُغلت الوظيفة لتحقيق المنفعة. كما جاء قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم (30) لسنة 2011 المعدل ليؤسس لمفهوم قانوني متقدم يتمثل في تجريم تضخم الثروة غير المبرر، من خلال إلزام المسؤولين بتقديم إقرارات الذمة المالية، واعتبار الزيادة الكبيرة غير المتناسبة مع الموارد المشروعة قرينة على الكسب غير المشروع، بما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في التشريع المقارن.

وفي هذا السياق، يُعدّ تسخير الوظيفة العامة لصالح الأقارب والحاشية من أخطر صور الفساد، لأنه يُجسّد ما تصفه الأدبيات الحقوقية والإدارية بـ“الفساد البنيوي”، حيث تتحول السلطة العامة إلى أداة لخدمة شبكات مصالح مغلقة، تُقصي الكفاءة، وتُفرغ مبدأ تكافؤ الفرص من محتواه العملي. ويترتب على ذلك انتهاك مباشر لحق المواطنين في الوصول العادل إلى الوظائف والموارد العامة، فضلاً عن خلق بيئة مؤسسية طاردة للنزاهة ومشجعة للإفلات من العقاب.

وتقع على عاتق الدولة، بوصفها الحارس الدستوري للمصلحة العامة، مسؤولية قانونية لا تقبل التجزئة في مكافحة هذه الظاهرة، من خلال تمكين الهيئات الرقابية وضمان استقلالها الفعلي، ولا سيما هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية. كما يبرز الدور الجوهري للقضاء في إنفاذ نصوص التجريم دون تمييز، وتكريس مبدأ المساواة أمام القانون. أما الادعاء العام، وبموجب قانون الادعاء العام رقم (49) لسنة 2017، فإنه يتحمل واجباً مضاعفاً في تحريك الدعوى الجزائية في كل ما يمس المال العام والنظام العام، حتى في غياب الشكوى، باعتبار هذه الجرائم تمس حقوق المجتمع بأسره.

 

  حقوقي عراقي


مشاهدات 24
الكاتب حيدر النقيب
أضيف 2026/01/27 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/01/28 - 12:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 22 الشهر 21079 الكلي 13528502
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير