التقشّف الحكومي.. إعتراف صريح بفشل التخطيط
نصير فكري الربيعي
القرارات الأخيرة الصادرة عن الحكومة العراقية بشأن التقشّف ليست مجرد إجراء مالي عابر، بل تمثّل في جوهرها مؤشراً على أزمة بنيوية عميقة أولاً، ودليلاً واضحاً على غياب التخطيط الاستراتيجي والفشل الإداري ثانياً. وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين كانت الدولة طوال ثلاث سنوات من الدعايات والشعارات الرنّانة؟ وأين ذهبت الوعود التي رُفعت باسم الإصلاح والتنمية والتحوّل الاقتصادي؟
لقد أكدنا مراراً أن برنامج أي حكومة جادّة لا يُقاس بعدد المشاريع الشكلية، بل بقدرته على بناء : ( اقتصاد منتج، وتعزيز السيادة الوطنية، وإحياء الصناعة والزراعة، وترسيخ الأمن المجتمعي، وتحقيق تنمية شاملة تمسّ مفاصل الدولة الكبرى ) . أما الاكتفاء بتعبيد الطرق وإنشاء الجسور، فعلى أهميته الخدمية، لا يمكن أن يُسوّق بوصفه مشروع دولة أو إنجازاً استراتيجياً، لأنه يقع أساساً ضمن واجبات البلديات والمديريات التنفيذية، لا ضمن الرؤية السيادية للتخطيط الوطني.المؤلم حقاً أن يُدار مستقبل بلد بحجم العراق بعقليات سطحية تبحث عن تلميع مؤقت للصورة الإعلامية، سرعان ما تنهار أمام أول اختبار واقعي. أليس من المخجل أن نصل اليوم إلى قرارات تقشّفية كان بالإمكان تفاديها لو وُجدت رؤية بعيدة المدى، وإدارة رشيدة للموارد، وسياسات استباقية لمعالجة الأزمات قبل انفجارها؟
من منظور علم اجتماع التخطيط، فإن هذه الظاهرة تعبّر عن خلل في العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث يُستبدل التخطيط العلمي طويل الأمد بسياسات ارتجالية قصيرة النفس، وتُقدم الحلول الإسعافية بوصفها إنجازات، بينما تُهمل البنى الاقتصادية والإنتاجية التي تشكّل أساس الاستقرار والتنمية.
إن ما يحتاجه العراق اليوم ليس قرارات تقشّف متأخرة، بل تحوّلاً جذرياً في فلسفة الحكم: من عقلية الاستهلاك والترقيع إلى عقلية الإنتاج، ومن منطق ردّ الفعل إلى منطق التخطيط الاستباقي، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة الحل. فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالإرادة السياسية الصادقة، والرؤية الاستراتيجية الواضحة، والعمل المؤسسي القادر على تحويل الموارد إلى تنمية، والأزمات إلى فرص إصلاح حقيقي.