الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفقر في أمريكا.. مفارقة القوة العظمى تحت إدارة ترامب

بواسطة azzaman

الفقر في أمريكا.. مفارقة القوة العظمى تحت إدارة ترامب

محسن الجيلاوي

 

خلال إقامتي في أحد الفنادق الفيتنامية، صادفتُ مجموعة من السياح الأمريكيين الشباب، ودار بيننا حديث عفوي حول الأوضاع الاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة. وعندما سألتهم عن رأيهم في سياسات الرئيس الحالي دونالد ترامب، عبّر كثير منهم عن امتعاضهم من أولويات الإدارة، والتي ( بحسب وصفهم ) تُولي اهتماما بإبراز القوة الأمريكية في الخارج، على حساب معالجة التحديات الاجتماعية الكبرى الخطرة داخل البلاد، ولا سيما الفقر والعدالة الاقتصادية والعيش الكريم.

شريحة واسعة

عندما تزور بلدانا سياحية مختلفة، وتلاحظ أن أعداد الأمريكيين أقل بشكل واضح مقارنة بشعوب أخرى، تدرك أن شريحة واسعة من الشعب الأمريكي تعاني من ضغوط الحياة اليومية. فالكثير منهم يلهثون خلف متطلبات المعيشة الأساسية، ولا يملكون القدرة على ادخار مبالغ كافية للقيام برحلات سياحية، مقارنة بالأوروبيين، أو الروس، أو الكوريين الجنوبيين أو جيرانهم الكنديين.

أحد هؤلاء الشباب قال لي إن أكثر من 40 مليون أمريكي يعيشون تحت خط الفقر وفق المعايير العالمية، وهو رقم أثار فضولي جدا، فبادرتُ إلى التحقق منه عبر تقارير وإحصاءات صادرة عن مؤسسات أمريكية مستقلة.

ووفقًا للمكتب الأمريكي للإحصاء، يعيش حوالي 35.9 مليون شخص تحت خط الفقر في الولايات المتحدة، أي ما يعادل نحو 10.6بالمئة من السكان حسب المقياس الرسمي لعام 2024.

أما وفق المقياس الأوسع المعروف باسم Supplemental Poverty Measure (SPM)، والذي يأخذ بعين الاعتبار تكاليف السكن، والرعاية الصحية، والضرائب، فإن نسبة الفقر ترتفع إلى نحو 12.9% من السكان، ما يعني أن عدد المتأثرين بالفقر أكبر بكثير مما تعكسه الأرقام الرسمية الضيقة.

وفيما يخص التأمين الصحي، لا تزال الولايات المتحدة بعيدة عن تحقيق التغطية الشاملة، ففي عام 2024 كان نحو 92 بالمئة من السكان يتمتعون بتأمين صحي شامل أو جزئي، في حين بقي حوالي 27 مليون شخص، أي ما يقارب 8بالمئة من السكان، من دون أي تأمين صحي طوال العام بكامله .

كما تتفاوت معدلات الفقر بشكل واضح بين المناطق الحضرية والريفية، وبين الأعراق والمجموعات الاجتماعية المختلفة، وبين الولايات وهو ما يعكس اختلالات هيكلية عميقة في النظامين الاقتصادي والاجتماعي الأمريكيين.

ورغم أن بعض الإحصاءات الرسمية تشير إلى تراجع طفيف في معدلات الفقر مقارنة بسنوات سابقة، فإن شريحة واسعة من الأمريكيين تشعر بأن الواقع الاقتصادي بعيد عن الصورة الرسمية المعلنة والتي فيها من الكذب الكثير، إذ لا تزال تكاليف السكن، والتعليم، والرعاية الصحية تُثقل كاهل الأسر، في وقت تُبرز فيه الولايات المتحدة ثروتها الهائلة وقوتها العسكرية والدبلوماسية وغطرستها على مستوى العالم وفق عقلية مريضة ترافقها كونها superpower .

تغطية صحية

وتزداد هذه المفارقة وضوحا عند مقارنة الولايات المتحدة بدول أوروبية مثل السويد، والنرويج، والدنمارك، وفنلندا، وسائر أوروبا وأيضا كندا وأستراليا ونيوزلندا وبريطانيا وروسيا، حيث يتمتع المواطنون بتغطية صحية شاملة وشبكات حماية اجتماعية متينة، في إطار ما يُعرف بدولة الرفاه الاجتماعي.

وفي الوقت الذي تُنفق فيه الولايات المتحدة مليارات الدولارات على التسلح، والسياسة الخارجية، والدسائس، والمؤامرات، وغزو الشعوب، يبقى ملايين من مواطنيها يواجهون الفقر، وغياب التأمين الصحي، وضعف العدالة والمساواة، واتساع الفجوة الاقتصادية.

هذا الواقع يطرح سؤالا بسيطا لكنه جوهري: هل أولويات إدارة ترامب (أو أية إدارة أمريكية) في مكانها الصحيح عندما يتعلق الأمر برفاه الشعب الأمريكي وحياته؟

مراقبون يعتقدون أن في حال عدم معالجة هذه المشكلات العميقة والجذرية، فإن البلاد ستكون مقبلة على هزّات اجتماعية وسياسية واقتصادية متتالية، قد تطيح بالولايات المتحدة من داخلها الهش، وتدفع بها نحو مزيد من التفكك، لتتحول فعليا إلى ولايات متعددة متفاوتة المصير، بعضها غارق في الفقر، وأخرى تنعم بمستويات أعلى من الرفاهية، فتوزيع الثروة فيه خلل مريع وهائل!

 


مشاهدات 25
الكاتب محسن الجيلاوي
أضيف 2026/01/12 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/01/13 - 11:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 592 الشهر 9640 الكلي 13117063
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير