الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ميدان المعركة الجديد.. السيبرانية والحروب القادمة

بواسطة azzaman

ميدان المعركة الجديد.. السيبرانية والحروب القادمة

عصام البرّام

 

لم يعد مفهوم الحرب في القرن الحادي والعشرين كما كان في القرون الماضية، حين كانت المدافع والدبابات والطائرات هي التي تحدد مصير الدول والجيوش. لقد انتقلت المعركة اليوم إلى ميدان جديد، غير مرئي، لا يسمع فيه صوت الرصاص ولا يرى فيه لهيب القنابل، لكنه أكثر تدميرًا وأعمق أثرًا. إنه ميدان الحرب السيبرانية، حيث تُخاض المعارك عبر الشاشات ولوحات المفاتيح، وتُدار الجبهات داخل غرف مظلمة يقف فيها خبراء الحواسيب بدل القادة العسكريين. في هذا العالم الرقمي تتقاطع المصالح، وتُهاجم الدول والمؤسسات عبر شبكة الإنترنت، ويُصبح من الممكن أن تُشلّ مدينة كاملة أو تنهار بنية اقتصادية في لحظات معدودة دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

الفية ثالثة

السيبرانية لم تعد مجرد تقنية أو فرع من فروع التكنولوجيا، بل أصبحت سلاحًا استراتيجيًا يشكل جوهر الصراع الحديث. ومنذ بدايات الألفية الثالثة، بدأ العالم يدرك أن الحرب لم تعد تتطلب جيوشًا ضخمة ولا أساطيل بحرية وجوية، بل تتطلب عقولًا متخصصة قادرة على اختراق الأنظمة وتدميرها من الداخل. هذا التحول في طبيعة الحرب أعاد صياغة مفاهيم الأمن القومي والسيادة الوطنية، وجعل من حماية البيانات والبنى التحتية الرقمية مسألة وجودية لا تقل أهمية عن حماية الحدود البرية والجوية.

من يراقب تطور الصراعات في العقدين الأخيرين يدرك أن الحرب السيبرانية أصبحت الأداة المفضلة للدول والجماعات في تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية دون الدخول في مواجهة مباشرة. لقد شهدنا هجمات سيبرانية واسعة النطاق استهدفت مؤسسات حيوية في عدد من الدول الكبرى، بعضها أدى إلى توقف شبكات الكهرباء والمياه، وبعضها الآخر استهدف بنوكًا ومطارات وشركات نفطية. هذه الهجمات لا تترك خلفها دمارًا ماديًا بالمعنى التقليدي، لكنها تُحدث صدمة نفسية واقتصادية، وتكشف هشاشة الأنظمة التي تعتمد اعتمادًا كليًا على التكنولوجيا في إدارة شؤونها اليومية.

لقد تحولت الفضاءات الرقمية إلى ساحات حرب حقيقية تُستخدم فيها البرمجيات الخبيثة والفيروسات كقنابل رقمية، وأصبحت الهجمات الإلكترونية جزءًا من استراتيجيات الردع والتجسس والسيطرة. في كثير من الأحيان تكون الحرب السيبرانية هي المقدمة لحرب فعلية، إذ تُستخدم لتعطيل الدفاعات الجوية أو لإرباك القيادة والسيطرة أو لتسريب معلومات حساسة تضعف الخصم قبل المواجهة. وفي أحيان أخرى تكون هي الحرب ذاتها، حين تتخذ شكلًا اقتصاديًا أو استخباراتيًا طويل الأمد يهدف إلى إنهاك الدولة المستهدفة من الداخل.ما يميز الحروب السيبرانية أنها لا تعرف الحدود الجغرافية، فالهجوم قد يُشن من أي مكان في العالم ويصل إلى أي مكان آخر في ثوانٍ معدودة. لم تعد الجغرافيا تحمي الدول كما في السابق، فالجدار الرقمي أكثر هشاشة من أي سور مادي. هنا يكمن الخطر الحقيقي، إذ إن الصراع في الفضاء الإلكتروني لا يخضع للقوانين التقليدية للحرب ولا يمكن ضبطه بسهولة عبر الاتفاقيات الدولية. فكيف يمكن للدولة أن تثبت أن هجومًا ما جاء من دولة معينة في حين يمكن للمهاجم أن يخفي هويته خلف آلاف الطبقات من التمويه الرقمي؟

شركات كبرى

الأمر الأكثر تعقيدًا أن ساحة الحرب السيبرانية لا تقتصر على الجيوش وحدها، بل تشمل أيضًا الشركات الكبرى والجهات الفاعلة من غير الدول مثل مجموعات القرصنة ومنظمات الجريمة الإلكترونية وحتى الأفراد. في هذا العالم المترابط يمكن لقراصنة يجلسون في غرفة صغيرة أن يهددوا أمن دولة بأكملها. وقد رأينا بالفعل أمثلة كثيرة على مجموعات من القراصنة استطاعت اختراق شبكات حكومية أو تسريب معلومات استخباراتية بالغة السرية. هذا التداخل بين الدولة والفرد في الفضاء السيبراني يجعل من الصعب تحديد العدو ومن المستحيل السيطرة الكاملة على هذا الميدان الجديد.لقد بدأت الدول تدرك أن الحرب القادمة لن تُحسم في ميادين القتال التقليدية، بل في مراكز البيانات ومختبرات التشفير وأنظمة الذكاء الاصطناعي. فالقوة اليوم لم تعد تُقاس بعدد الجنود ولا بحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدولة على حماية بياناتها وتطوير قدراتها الهجومية والدفاعية في الفضاء الرقمي. لذلك، نشهد اليوم سباق تسلح جديد من نوع مختلف، لا يقوم على بناء الصواريخ النووية بل على تطوير البرمجيات القادرة على الاختراق أو الصمود أمام الهجمات. فكل دولة تحاول أن تكون لها اليد العليا في عالم المعلومات، لأن من يملك المعلومة يملك القدرة على السيطرة.في هذا السياق برز مفهوم الأمن السيبراني بوصفه ركيزة من ركائز الأمن القومي. لم تعد حماية الحدود الإلكترونية ترفًا أو شأنًا تقنيًا يخص وزارة الاتصالات، بل أصبحت مسؤولية استراتيجية تقع على عاتق المؤسسات العسكرية والاستخباراتية. فالتهديد السيبراني يمكن أن يصيب الاقتصاد والمجتمع والسياسة في آن واحد، وقد يؤدي إلى زعزعة استقرار الدولة من الداخل. لذا، بدأت كثير من الدول بإنشاء قيادات عسكرية متخصصة في الحرب السيبرانية، وتأسيس وحدات للدفاع الإلكتروني، وإدراج الأمن الرقمي في خططها الوطنية للأمن والدفاع.لكن رغم هذه الجهود تبقى التحديات هائلة، فالتطور التقني المتسارع يجعل من الصعب مواكبة أساليب الهجوم الجديدة. كل يوم تظهر أدوات أكثر تعقيدًا، من الذكاء الاصطناعي القادر على توليد برمجيات هجومية ذاتية، إلى تقنيات التزييف العميق التي يمكن أن تُستخدم لتضليل الرأي العام ونشر الفوضى. وهذا يعني أن الحرب السيبرانية ليست فقط حربًا على الأنظمة، بل أيضًا حرب على العقول. فمن خلال التحكم بالمعلومات وبث الشائعات يمكن التأثير في المجتمعات وإضعاف تماسكها دون إطلاق نار واحد.

لقد أثبتت الأزمات العالمية الأخيرة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو حتى صحية، أن الفضاء الرقمي أصبح قلب الحياة اليومية. من شبكات الكهرباء إلى الاتصالات والمصارف والمستشفيات، كل شيء يعتمد على أنظمة معلوماتية مترابطة. هذه الترابطات التي تسهّل حياتنا تشكل في الوقت نفسه نقطة ضعف قاتلة، لأن أي اختراق في جزء من الشبكة يمكن أن يشل النظام بأكمله. تخيّل مثلاً أن يتعرض نظام التحكم في محطات الكهرباء لهجوم، أو أن تُخترق بيانات بنوك مركزية، أو أن تُعطل أنظمة النقل في مدن كبرى، كل ذلك يمكن أن يحدث في دقائق معدودة ويترك آثارًا مدمرة تمتد لسنوات.

الحرب السيبرانية أيضًا تُغيّر طبيعة الردع العسكري. فالتقليدي في الحروب كان أن تعرف خصمك وتوازن بين قوتك وقوته، أما الآن فإن الهجوم يمكن أن يأتي من جهة مجهولة لا تعرف حجمها ولا نواياها. هذا الغموض يجعل من الصعب وضع قواعد اشتباك واضحة، كما يفتح الباب أمام سباق تسلح غير مرئي يتنافس فيه الجميع على امتلاك قدرات هجومية سرية. بعض الدول طورت ما يعرف بـ»القنابل الرقمية» التي يمكن زرعها في أنظمة العدو لتُفعّل في الوقت المناسب، فيما تعتمد دول أخرى على بناء دفاعات سيبرانية متطورة قادرة على امتصاص الضربات والرد بسرعة.

ومع اتساع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية، يزداد القلق من أن تتحول الحرب السيبرانية إلى حرب يقودها الذكاء الاصطناعي نفسه. فالتطبيقات الذكية قادرة على اتخاذ قرارات هجومية أو دفاعية في أجزاء من الثانية، وقد يحدث أن يتطور الهجوم بشكل غير متوقع خارج سيطرة الإنسان. هذه الاحتمالات تثير تساؤلات أخلاقية وقانونية حول حدود استخدام التكنولوجيا في الحروب، وحول من يتحمل المسؤولية إذا تجاوزت الأنظمة حدودها وسببت أضرارًا كارثية.

في المقابل، يُمكن أن تتحول السيبرانية إلى سلاح ردع فعال إذا أُحسن استخدامها ضمن منظومة دفاعية متوازنة. فالدول التي تمتلك قدرات سيبرانية متقدمة تستطيع أن تمنع الهجمات قبل وقوعها عبر المراقبة والتحليل الاستباقي، كما يمكنها الرد بطريقة دقيقة تحيد الخطر دون تصعيد عسكري شامل. غير أن هذا يتطلب تعاونًا دوليًا واسعًا، لأن الفضاء الإلكتروني بطبيعته عابر للحدود، وأي خلل في دولة واحدة يمكن أن يمتد إلى دول أخرى.

لذلك، تبرز الحاجة اليوم إلى وضع قواعد دولية تنظم السلوك في الفضاء السيبراني، شبيهة بتلك التي تنظم الحروب التقليدية. ينبغي أن تُحدد هذه القواعد ما يُعتبر عملًا عدوانيًا، وما هي حدود الدفاع المشروع، وكيف يمكن معاقبة الجهات التي تنفذ الهجمات الإلكترونية. لكن الوصول إلى مثل هذه الاتفاقيات ليس بالأمر السهل، لأن معظم الدول ترفض الكشف عن قدراتها السيبرانية أو الاعتراف بمسؤوليتها عن الهجمات. كما أن الطبيعة المجهولة للفضاء الرقمي تجعل من الصعب إثبات الأدلة وإسناد المسؤولية.

رغم كل هذه التحديات يبقى الأمل في بناء ثقافة أمن رقمي عالمية تقوم على التعاون والشفافية والوعي. فالحماية تبدأ من الفرد قبل أن تصل إلى الدولة، والوعي بخطر الهجمات الإلكترونية يجب أن يكون جزءًا من التربية المجتمعية. إن إدراك الناس لأهمية حماية بياناتهم واستخدامهم المسؤول للتكنولوجيا يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة التهديدات السيبرانية.

الحروب القادمة لن تكون حروبًا على الأرض فقط، بل حروبًا على الوعي والمعلومة والبيانات. وستكون الكلمة العليا فيها لمن يستطيع أن يجمع بين القوة التقنية والحكمة السياسية. فالعالم يتجه نحو عصر لا تُحسم فيه المعارك بالقنابل، بل بالأكواد، ولا تُدار فيه الجيوش من الخنادق، بل من مراكز البيانات. السيبرانية لم تعد خيارًا، بل قدرًا لا مفر منه، ومن لا يستعد له اليوم سيجد نفسه غدًا في موقع الهزيمة قبل أن تبدأ المعركة.

إن ميدان المعركة الجديد لا يُرى بالعين، لكنه موجود في كل مكان: في هاتفك الذكي، في حاسوبك، في شبكة الكهرباء التي تنير مدينتك، وفي النظام المصرفي الذي يحفظ أموالك. هذا الميدان هو الذي سيحدد شكل القوة في القرن القادم، ومن يفهم قواعده سيملك زمام المستقبل.

 

 


مشاهدات 61
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/01/11 - 4:00 PM
آخر تحديث 2026/01/12 - 5:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 161 الشهر 8340 الكلي 13115763
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير