موقف التمييز الإتحادية من النفط والغاز
احمد طلال عبد الحميد
في قضية تتلخص وقائعها قيام المدعية برفع دعوى قضائية امام محكمة بداءة بغداد الجديدة ضد وزير النفط (اضافة لوظيفتة) للمطالبة بحصتها من الايرادات النفطية ومنذ عام 1965 ولغاية تاريخ اقامة الدعوى ، ناعية عليه غصب المدعى عليه اضافة لوظيفته لحصتها من النفط خلافاً لنص المادة (1) من قانون النفط والغاز العراقي لسنة 2007 التي نصت على ان (ان ملكية النفط واغاز تعود لكل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات ) ومستندة في ذلك الى نصوص المواد (111 و 59/ثانياً و30/ اولاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 ، وقرارات المحكمة الاتحادية العليا رقم (59/اتحادية/2012 وموحدتها110/اتحادية 2019) ، وقد ردت محكمة البداءة المختصة الدعوى وايدت محكمة الاستئناف المختصة الحكم البدائي ، لذا بادرت المدعية للطعن امام محكمة التمييز الاتحادية وقد قررت المحكمة المذكورة بموجب قرارها الصادر بتاريخ 7/5/2025 بأن الدعوى فاقدة لسندها القانوني وحرية بالرد وقررت تصديق الحكم الاستئنافي ورد اللائحة التمييزية ، حيث جاء في حيثيات القرار المذكور ( ....عند عطف النظر على الحكم المميز تبين انه صحيح وموافق لاحكام القانون ، ذلك ان المميزة استندت في مطالبتها بحصتها من واردات النفط العراقي الى النصوص الواردة في الدستور وقانون النفط والغاز والتي ذكرتها في عريضه دعواها واذ ان النصوص المذكورة اشارت الى النفط والثروات الطبيعية ملك للشعب العراقي الا انها لم تتضمن اي نص يجيز للافراد التصرف بايراداتها لان الدولة تقوم بذلك بواسطة مؤسساتها القائمة على ادارة تلك الثروات وان عائدية هذه الايرادات تدخل ضمن ميزانية الدولة وتحدد الية صرفها وفق قانون الموازنة العامة الاتحادية الامر الذي يجعل دعواها والحالة هذه فاقدة لسندها القانوني وحريه بالرد وهذا ما انتهى اليه الحكم المميز لذا قرر تصديقه ورد اللائحة التمييزية واسبابها وتحميل المميزة رسوم التمييز ......) ، ولنا على القرار المذكور التعليق الاتي :
مشروع قانون
1. ان قانون النفط والغاز رقم (1) لسنة 2007 التي اشارت اليه المدعية في عريضة دعواها ، هو مشروع قانون لم ير النور وبالتالي لايجوز الاستناد لمشروع قانون لحماية حق موضوعي طالما لم يشرع هذا القانون وفق الطريقة التي نص عليها الدستور ، ويرجع سبب عدم تشريعه الى اعتراض الاقليم على مسودة القانون من جانب ، ومن جانب اخر توجه وزارة النفط لابرام عقود التراخيص التي اعطت امتيازات نفطية لشركات امريكية وبقي موضوع اصدار تشريع يتعلق باستثمار وادارة النفط والغاز وبقية الثروات المعدنية طي النسيان ، وبسبب الخلافات بين المركز والاقليم حول ادارة النفط والغاز والايرادات المتحصلة عن بيع النفط اقدمت السلطة التشريعية في اقليم كردستان في حينها على اصدار قانون النفط والغاز لاقليم كوردستان رقم (22) لسنة 2007 والذي يهدف الى ادارة واستثمار النفط والغاز في اقليم كردستان ، وقد اصدرت المحكمة الاتحادية العليا في الدعوى (59/ اتحادية /2022) وموحدتها ( 110/اتحادية / 2019) بتاريخ 15 /2 /2022 قراراً يقضي بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة اقليم كردستان رقم (22) لسنة 2007 والغائه لمخالفته احكام المواد (110و111و112و115و121/اولاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 مع عدة فقرات حكمية ملزمة يتوجب على وزارة النفط الاتحادية وسلطات الاقليم اتباعها تنفيذاً لهذا القرار، مع توجيه المدعي العام (اضافة لوظيفته ) بمتابعه بطلان التعاقدات النفطية التي ابرمتها حكومة الاقليم ، مما تقدم نلاحظ ان المدعية استندت في دعوها الى مشروع قانون لم يصدر، وقانون اخر غير اتحادي يخص الاقليم تم الغاءه بقرار من المحكمة الاتحادية العليا ، ولم تتطرق محكمة التمييز الموقرة الى هذا التفصيل واكتفت بالاشارة في قرارها الى كون دعوى المدعية فاقدة لسندها القانوني.
2. استندت المدعية في دعواها الى نص المادة (111) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 والتي نصت على ان ( النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات ) ، ومن استقراء النص المذكور نلاحظ انه اشار الى النفط والغاز كثروة معدنية فقط واغفل الاشارة الى الانواع الاخرى من الثروات كالفوسفات والزئبق وغيرها من المعادن النفيسة الموجودة في باطن اقليم الدولة العراقية ، فضلاً عن ذلك انه اشار الى كون هذين العنصرين ملك للشعب العراقي بطريقة مجازية كاشارة الى ان عوائد هذين العنصرين يجب ان تخصص لكل ابناء الشعب العراقي دون تمييز ، وبالرجوع الى المادة (112) من الدستور نجد انها قد حددت طريقة وجهة ادارة هذه الموارد من خلال الحكومة الاتحادية وبالتنسيق مع الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم ، ووضع النص قيوداً موضوعية تتمثل بمبدأ التناسب في توزيع الواردات مع التوزيع السكاني ، مع تحديد حصة لمدة محددة للاقاليم المتضررة ، ومبدأ تحقيق التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة في البلاد والزمت المشرع تنظيم ذلك بقانون ، الا ان السلطة التشريعية اخفقت بسبب التجاذبات والمصالح السياسية في تشريع قانون للنفط والغاز ، مما جعل النص المذكور معطلاً لعدم صدور قانون يفعل وينظم عملية الادارة ورسم السياسات الخاصة بالاستخراج والتوزيع والبيع وغيرها من العمليات ، وانتهى المطاف بعقود التراخيص النفطية التي تذكرنا بالامتيازات النفطية للشركات الاجنبية التي تستثمر الثروات النفطية مقابل نسب تدفع للحكومة العراقية .
اعلى منفعة
3. ان المادة (112) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 الزمت ادارة هذه الثروات واستثمارها بما يحقق اعلى منفعة للشعب العراقي ، وهذه اشارة الى ان هذه الثروات من الاموال العامة للدولة ، طالما انها خصصت لتحقيق المنفعة العامة ، ولاتعد من الاموال المباحة التي يجوز حيازتها او الانتفاع بها ، وهذا الاموال محمية بموجب القانون فلا يجوز التصرف بها او الحجز عليها او تملكها بالتقادم استناداً للمادة (71) من القانون المدني رقم (40) لسنة 1951 المعدل ، فضلاً عن الحماية الدستورية المقررة بموجب المادة (27) من الدستور .
4. ان الدعوى اداة لحماية الحق والمطالبة به امام القضاء ، والحق مصلحة يحميها القانون ، ومن شروط قبول الدعوى المصلحة ، ونرى ان مصلحة المدعية في دعواها منعدمة كونها غير ممكنة لاستحالتها قانونياً ذلك ان المصلحة الجديرة بالحماية هي التي تستند الى حق او مركز قانوني ، والمدعية في دعواها تطالب بحصتها من النفط والغاز باعتبارها احد ابناء الشعب العراقي الا ان هذه المطالبة جاءت خلافاً للدستور كون هذه الثروات تعد اموالاً عامة لايمكن تملكها او الحجز عليها كونها مخصصة للنفع العام وتتولى المرافق النفطية ادارتها واستثمارها بموجب قوانين تصدر لتنظم ذلك ، وللاسف لم تصدر هذه القوانين رغم مرور اكثر من عشرين سنة على صدور دستور جمهورية العراق لسنة 2005 .
5. خلاصة ماتقدم ان قرار محكمة التمييز الاتحادية صحيح من حيث النتيجة ، الا اننا كنا نحتاج الى تسبيب مفصل يحيط بالجوانب التي تطرقنا اليها ... والله ولي التوفيق .