الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإمام علي عليه السلام..  مدار الحقِ ومنارة الخلود

بواسطة azzaman

الإمام علي عليه السلام..  مدار الحقِ ومنارة الخلود

حسين الزيادي

 

  في صفحات التاريخ الإنساني أسماء تتجاوز حدود التعريف، فتغدو هي المعنى ذاته لما يُراد تعريفه، ومن بين تلك الأسماء تتفرد شخصية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام؛ فإذا ذُكرت العدالة أشرق ظلّه الوارف، وإذا استُحضرت البلاغة أذعنت له أسرار البيان، وإذا استُدعيت الشجاعة تجسّدت حية في فقاره، وإذا ذُكر الزهد والتقوى تجلى الإيمان في سيرته ومسيرته، وإذا تحدّثنا عن الإنسانية كان هو ميزانها الأعدل، وتتجسد كل هذه الصفات بمفهوم الإنسان المتكامل، الذي جسده في نهجه وفكره وسلوكه.

    الحديث عن علي عليه السلام لا يعني التطرق الى شخصية عابرة في التاريخ، بل هو حديث عن تاريخ توقف مذهولًا أمام عظمة هذه الشخصية؛ فهو الرجل العابد الخاشع المتضرع في محرابه، والبطل الهمام الذي لايشق له غبار في الميدان، سيفًا للإسلام، ومرجعاً للحكمة، ودستوراً للإنسانية، تجسدت فيه الفضائل في أبهى صورها، وانطبعت سيرته خالدةً في ذاكرة الزمان، كلما مرت الايام تزداد ارتفاعاً وعلواً.

مدارُ الحق

  علي مع الحقّ والحقّ مع علي، هذه المقولة النبوية تختزل سيرة علي عليه السلام من الولادة وحتى الاستشهاد، لأنها تعبيراً عن تمحور الحق في شخصيته (عليه السلام) ، واذا كانت المواقف في عالم السياسة والاجتماع، تميلُ عادةً حيث تميلُ المصالح، فان الحقُّ عند علي هو القطبُ الذي يدورُ حوله الوجود، فمدارية الحق في سيرته عليه السلام تعني الثبات المطلق، فلم يساوم على مبدأ في سبيل مصلحة، ولم يبعْ آجلَ التقوى بعاجلِ السلطة والملك، وهو القائل عندما اشار عليه المغيرة بن شعبة بإبقاء معاوية على الشام الى ان يستتب له الامر: والله لا أداهن في ديني ، ولا أعطي الدنية في أمري،  وفي حادثة الشورى، عُرضت عليه الخلافة على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة من تقدمه، فلم يوافق على ذلك، وقال: بل علي أن أعمل بكتاب الله وسنة رسوله، وأجتهد رأيي بما يقتضيه الحق والعدل، وهذا القول يعكس وعي الإمام (عليه السلام) بمسؤوليات القيادة ورفضه للاتباع الصامت، وقدرته على الاجتهاد، وكيف لا يكون ذلك وهو اعلم الامة و اقضاها بشهادة النبي الاكرم صلى الله عليه واله.

ولادته

   ولِد عليه ‌السلام بمكّة المشرّفة داخل البيت الحرام، وفي جوف الكعبة، في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب، سنة ثلاثين من عام الفيل قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة، ولم يولد في بيت الله الحرام قبله أحد، وهي فضيلة اختصه الله تعالى بها إجلالاً له وإعلاءً لمرتبته.

القابه

تنوّعت الألقاب التي أُطلقت على الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فكانت شاهدة على عظيم مقامه، فقد عُرف بأمير المؤمنين وهو اللقب الأشهر الذي لقبه به النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم ، كما اطلق عليه الرسول يعسوب الدين، وأبو تراب وهي كنية أطلقها النبي (ص) عليه تلطفاً، ، وهو قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ومبيد الشرك والمشركين، ومولى المؤمنين، وشبيه هارون، والمرتضى، ونفس الرسول، وأخوه، وزوج البتول، وابا الحسنيين، كما لُقّب بـسيف الله المسلول، وأمير البررة، وقاتل الفجرة، وقسيم الجنّة والنار، وصاحب اللواء، وسيّد العرب، وخاصف النعل، وكشّاف الكرب، والصدّيق الأكبر، والهادي، والفاروق، والداعي، والشاهد، والوصي وقاضي دين رسول الله، ومنجز وعده، والنبأ العظيم، والصراط المستقيم، وأمير النحل، واعلم الامة واقضى الامة، ولقب بالوصي اشارة الى مرتبته في القيادة بعد النبي وقال النبي في حقه : أنت مني بمنزلة هارون من موسى: وهو وصف نبوي دقيق يبيّن مكانته ومنزلته.

الفدائي الاول في الاسلام

   كان علي عليه السلام أوّل الفدائيين في الإسلام، وأسبق القوم إلى الإيمان، وأقدمهم إسلاماً ويقينًا؛ لم يعرف قلبه طريق الشك، وهو القائل: والله لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً، وهي مقولة تشير إلى بلوغه أعلى درجات اليقين بالله (عين اليقين) ، وقد روى الفخر الرازي في التفسير الكبير في تفسير قول الله تعالى : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد) ، قال : نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليلة خروجه إلى الغار، ويروى أنه لما نام على فراشه قام جبريل عليه السلام عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبريل ينادي: بخ بخ من مثلك يا ابن أبـي طالب يباهي الله بك الملائكة، وهي فضيلة لاتدانيها فضيلة ولاعجب في ذلك فعلي أول من لبّى الدعوة، وأول من نصر الرسالة، وأول من قدّم نفسه فداءً للإسلام، فهو أول من صلى مع رسول الله، وأول من جمع بين القرابة والإيمان والهجرة والجهاد، وأول من حمل لواء النبي في المعارك الكبرى، بدر، واحد، والخندق، وخيبر  وغيرها من المعارك ، وأول من فُتحت على يديه الحصون.

الإرث النبوي

تجسدت ذروة القيم الإنسانية ومنابع الحكمة في شخصية الإمام علي عليه السلام، الذي استقى علومه ومعارفه من نبي الرحمة  محمد صلى الله عليه واله لذا كان نتاجاً خالصاً للمدرسة النبوية التي أرست دعائم المساواة والمنفعة العامة، وحطمت الفوارق العرقية جاعلةً من التقوى معياراً وحيداً للتفاضل، هذا الإرث الفكري والعملي قدم للبشرية نموذجاً سياسياً أخلاقياً يقف على طرفي نقيض مع النظريات النفعية؛ فبينما تشرعن بعض المذاهب استلاب حقوق الآخرين تحت ذريعة ‹الغاية تبرر الوسيلة ، وتتبنى بعض السياسات المعاصرة استراتيجيات المراوغة والتضليل الإعلامي، يبرز المنهج العلوي كضمانة لحقوق الرعية لأنه قدّم النموذج العملي للإنسان الكامل، الذي هزَّ الصورة التقليدية للحاكم؛ فكان يرقّع ثوبه وهو ملكُ الأمة، ويحمل طعامه للمساكين وهو في قمة السلطة، ففي هذه الشخصية اجتمعت الأضداد على نحوٍ لا يطيقه إلا من اصطفاه الله واكرمه، فكان أشدّ الناس بأسا في الحرب، وهو نفسه أرقهم قلباً على الايتام والمساكين؛ وأزهدهم في الدنيا، واورعهم عن الشبهات وأعدلهم في الحكم، عالماً لا يُجارى، ومتواضع كأنه واحداً من عامة الناس

فصاحته وبلاغته

يُعد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) المرجع الأول للفصاحة والبيان، وكلامه من أصفى ينابيع البيان العربي، إذ جمع بين جزالة اللفظ، وعمق الحكمة، وقوة التأثير، وقد وُصفت بلاغته بأنها مرتبة وسطى- دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين- ومن معينه استقى الكُتاب والخطباء أصول فن الكلام وأقر كبار البلغاء عبر العصور بتأثرهم العميق بنهجه، لأن كلامه (عليّه السلام) عليّه مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي ، ويمثل كتاب نهج البلاغة البرهان القاطع على تفرد الإمام الذي لا يُبارى؛ إذ لم يُنقل عن أي من الصحابة عُشر ما دُون للإمام من خطب ومواعظ وحكم ويبرز ذكاء الإمام وفصاحته في إجاباته الخاطفة والمحكمة؛ فعندما سُئل عن المسافة بين السماء والأرض.

 أجاب بأنها دعوة مستجابة، وعن المسافة بين المشرق والمغرب بأنها مسيرة يوم للشمس، ويؤكد المؤرخ المسعودي هذه القدرة الفذة بالقول أن الناس حفظوا عن الإمام أكثر من أربعمائة وثمانين خطبة، ألقاها جميعاً ارتجالاً (على البديهة) دون سابق إعداد.

 وقال السيد الشريف الرضي: كان أمير المؤمنين (عليّه السلام) مَشرَع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه ظهر مكنونها، وعنه اُخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق فقصّروا، وقال العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي: وإني لأطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدّل على أن طبعه مناسب لطباع الأسود ، ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدّل على أن طبعه مشاكل لطباع الرهبان .

شجاعته

تفرّد الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في ميدان الشجاعة، حتى غدت شجاعته حقيقة مسلَّمة في الوجدان الإسلامي، لا موضع خلاف أو جدل، وكان لموقفه في مواجهة عمرو بن عبد ودّ في الخندق منزلة استثنائية.

 إذ عُدّ ذلك الإنجاز مفصلًا تاريخيًا جسّد انتصار الإيمان على الكفر، ومثّل الإمام عليّ (عليه السلام) النموذج الأوضح للمقاتل الذي يجمع بين الشجاعة والتفوّق المعنوي، فقد كان حضوره في ساحة القتال كافيًا لإحداث خلل نفسي في صفوف الخصوم، فقد جمع الإمام بين الجرأة في الميدان.

 والثبات النفسي، والحضور المعنوي الذي كان يسبق حضوره المادّي، حتى أصبح اسمه وحده عاملًا حاسمًا في موازين المواجهة، يزعزع خصومه قبل أن يلاقيهم سيفه.

ومن هنا، لم تُقدَّم شجاعة الإمام عليّ في التراث بوصفها حالة استثنائيّة عابرة، بل كظاهرة متكاملة لم يُعرف لها نظير ثابت في تاريخ الأبطال، إذ اجتمع له النصر الدائم، والثبات الأخلاقي، والاعتراف حتى من خصومه، الذين رأوا في مواجهته قدرًا محتومًا لا مهرب منه. وهي أشهر صور شجاعته، وقد تجلّت في معركة بدر فقد كان له الدور الأبرز في المبارزات وحسم المعركة منذ بدايتها، اما في معركة أُحد فقد ثبت مع النبيّ (ص) حين تفرّق عنه الكثيرون.

  اما في خيبر فقد اقتحم الحصن وقلع الباب وحسم المعركة.

لم يكن الإمام يرتدي درعا ولم يكن يعرف التراجع وهو القائل: والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها، وفي مورد اخر يقول : الذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألفُ ضربةٍ بالسيف أهونُ عليَّ من ميتةٍ على فراش في غير طاعةِ الله،  ومن مقولاته التي تعكس ذروة الشجاعة والتجرد الكامل من الخوف من الموت، وتعاملَه معه بوصفه حقيقة لا تغيّر من الموقف المبدئي شيئًا. قوله: واللهِ ما أُبالي وقعتُ على الموتِ أم وقعَ الموتُ عليَّ، ومع ذلك، لم تكن شجاعته عليه السلام اندفاعا أعمى، بل شجاعة منضبطة بالأخلاق النادرة،  ففي غزوة بدر وأحد والخندق، كان يبدأ القتال عند الضرورة فقط، ولم يُنقل عنه أنه اعتدى أو تجاوز حدود المواجهة المشروعة، وفي معركة الخندق، عندما واجه عمرو بن عبد ود، وهو من أشهر فرسان العرب، لم يقتله فور تمكنه منه، بل تراجع قليلًا، حتى لا يكون قتله بدافع الغضب الشخصي، ثم عاد فقتله خالصا لله تعالى، في موقف يجسّد أسمى درجات ضبط النفس في قلب المعركة، من جهة اخرى كان الإمام عليه السلام شديد الرفض لكل أشكال الغدر، حتى مع أعدائه، وقد ظهر ذلك جليًا في وصاياه لقادته وجنوده، حيث كان ينهى عن التمثيل بالقتلى أو قتل الجريح أو قتل  المدبر من المعركة، وقصته مع عمر بن العاص تناقلتها الالسن، وفي معركة الجمل، وبعد انتهاء القتال، أصدر أوامره الصارمة بعدم التعرّض للجرحى، وعدم دخول البيوت، وعدم أخذ الأموال.

فلسفة العدالة العلوية

تجلّت عبقرية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في صياغة رؤية كونية شاملة للعدالة، لم تكن مجرد نصوص تشريعية مجردة، بل عقيدة وجودية تضع الأشياء في نصابها الصحيح، حيث عرّف العدل بكونه الميزان الذي استقام به الكون، فقال في حكمته الخالدة: العَدلُ سائِسٌ عامّ، والإحسانُ عارِضٌ خاصّ؛ العَدلُ يضعُ الأمورَ مَواضِعَها، والإحسانُ يُخرِجُها عن جِهَتِها ، مبيناً بذلك أن العدالة هي القاعدة الرصينة التي تضمن استدامة المجتمعات فوق أي عاطفة عابرة، وهكذا أرسى (عليه السلام) مدرسةً في الحوكمة الأخلاقية ألغت الامتيازات الطبقية والعرقية، جاعلاً من سلطة الدولة أداةً لإنصاف المستضعفين، ومُجسداً ذلك بقوله لمالك الأشتر:  ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ.. فَإِنَّ حَقَّ الأقْصَى مِنْهُمْ بِمِثْلِ حَقِّ الأدْنَى .

هذه الفلسفة تجاوزت النظريات القانونية الوضعية بتركيزها على الكرامة الإنسانية كأصل؛ فكان قضاؤه تجرداً مطلقاً من (الأنا)  وتكريساً لسيادة الحق حتى على الحاكم نفسه، متمثلاً بقوله:  أيها الناس، إنّي والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها ،وفي الجانب الجنائي، انتهج سياسة  العدل الوقائي  التي تُعالج الدوافع الاجتماعية (كالفقر والحاجة) قبل إيقاع العقوبة، إيماناً منه بأن  العَدلُ حياةُ الأحكام ، وأن العقوبة بلا رحمة أو دون تأمين مقومات العيش الكريم هي ظلمٌ مُقنّع، وبذلك حوّل الإمام (عليه السلام) مفهوم السلطة من أدوات القمع والاستعلاء إلى رحابة الخدمة والتواضع، مصداقاً لقوله:  مَن نَصَبَ نَفسَهُ لِلنّاسِ إماماً فَليَبدأ بِتَعليمِ نَفسِهِ قَبلَ تَعليمِ غَيرِهِ ، ليصيغ دستوراً إنسانياً يجعل من الحق قيمةً مطلقةً لا تنحني أمام المنصب، ومن العدالة روحاً تحفظ توازن النفس البشرية واستقامة الضمير الجماعي.

استلهام الدروش

  ان الانتماء لهذا الكمال الإنساني يفرض علينا أن نستلهم دروسه وأن نستحضره إلى واقعنا وإلى ساحاتنا، ليطهر أعمالنا من الخداع والنفاق والجحود والفساد والتطرف، وينقي قلوبنا من الغل والحقد والضغينة والبغضاء ، وليطهر عقولنا من كل الشوائب الفكرية والانحرافات العقدية.

   سيدي أبا الحسن سلام عليك أبا الأيتام، وسيد البلغاء، ونحن نعيش ساعات استشهادك الحزينة المؤلمة، سلام عليك يا نصير الفقراء، وأمير الزاهدين وسيد الكرامة والعزّة والشجاعة والعدالة ، السلام عليك يا زاهد الدنيا ومغرياتها وملذاتها وامتيازاتها، كنت ولا زلت وستبقى الخالد الأعظم ما عسعس ليل وما ادلهم ظلام وما تنفّس صبح وما أضاء فجر.

 

 


مشاهدات 95
الكاتب حسين الزيادي
أضيف 2026/03/08 - 3:14 PM
آخر تحديث 2026/03/09 - 11:59 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 5 الشهر 8111 الكلي 15000180
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير